فحلف لي عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا في الشهر الحرام، ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب. قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك" (١).
قال ابن عطية: " وقال عطاء: «لم تنسخ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم»، وهذا ضعيف" (٢).
وقد عد هذه الآية من المنسوخة معظم كتب النسخ، ويقول النحاس: "أجمع العلماء على نسخ هذه الآية إلا عطاء" (٣).
وقال مكي بن أبي طالب: "أكثر العلماء على أنها منسوخة إلا عطاء ومجاهد" (٤).
؛ واختار النسخ الطبري (٥).
والصواب هو قول عطاء بن ميسرة: "من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرُم منسوخ بقول الله جل ثناؤه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [سورة التوبة: ٣٦]، وهو قول الجمهور. والله أعلم.
واختلفوا فيمن سأل عن ذلك على قولين (٦):
أحدهما: أنهم المشركون ليعيّروا بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واستحلوا قتاله فيه، وهو قول الأكثر.
والثاني: أنهم المسلمون سألوا عن القتال في الشهر الحرام ليعلموا حكم ذلك. فأخبرهم الله تعالى: أن الصد عن سبيل الله وإخراج أهل الحرم منه والفتنة أكبر من القتل في الشهر الحرام وفي الحرم، وهذا قول قتادة (٧).
قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ} " أي يسألك أصحابك يا محمد عن القتال في الشهر الحرام، أيحل لهم القتال فيه؟ " (٨).
قال الزمخشري: " المعنى: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام" (٩).
قال الشوكاني: " والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دما ولا تغير على عدو والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد" (١٠).
قال ابن عثيمين: "والمراد به الجنس؛ فيشمل كل الأشهر الحرم؛ وهي أربعة: ذو القعدة؛ وذو الحجة؛ ومحرم؛ ورجب؛ و {قتال فيه} بدل اشتمال؛ فيكون السؤال عن القتال فيه" (١١).
قال الراغب: "إن قيل: ما فائدة ذكر الشهر ثم إبدال القتال منه ولم يقل: يسألونك عن قتال في الشهر؟ قيل: في ذكر الشهر أولاً، ثم إبدال القتال منه ولم يقل: (يسألونك عن قتال في الشهر) قيل: في ذكر الشهر أولاً بنية أن السؤال عن القتال لأجل الشهر لا لغيره، ولو قيل: (يسألونك عن قتال الشهر) لكان
(١) تفسير الطبري (٤٠٩٩): ص ٤/ ٣١٤. وأخرج ابن الجوزي نحوه عن ابن جريج، انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٧٠.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٩٠.
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ ص: ٣٠ - ٣٢
(٤) انظر: الإيضاح ص: ١٣٤.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣١٤ - ٣١٥.
(٦) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٤.
(٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٤.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٢.
(٩) الكشاف: ١/ ٢٥٨.
(١٠) فتح القدير: ١/ ٢١٨.
(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠.