للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أخرج الطبري عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال في الشهر الحرام، ثم أحِلَّ بعد" (١).

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي إسحاق الفزاري قال: "سألت سفيان الثوري عن قول الله: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير}، قال: هذا شيء منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وفي غيره" (٢).

ثم اختلفوا في ناسخها على أقوال (٣):

أحدها: قيل: نسخها: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: ٣٦]، وبقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [سورة التوبة: ٥].

قال عطاء بن ميسرة: "أحلَّ القتالَ في الشهر الحرام في (براءة)، قوله: {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [سورة التوبة: ٣٦]: يقول: فيهن وفي غيرهن" (٤).

وروى عبد خير بن يزيد الهمداني عن علي عليه السلام في قوله: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه} [البقرة: ٢١٧]، قال: نسختها {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ٥] " (٥).

والثاني: وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام.

والثالث: وقيل: نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة.

قال القرطبي: " وهذا ضعيف، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم (٦).

والرابع: وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي: فأنزل عز وجل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} الآية، قال: فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين، وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه، حتى أنزل الله عز وجل: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: ١].

القول الثاني: أن ذلك حكم ثابتٌ، لا يحلّ القتال لأحد في الأشهر الحرم بهذه الآية، لأن الله جعل القتال فيه كبيرًا.

أخرج الطبري عن ابن جريج، قال: " قلت لعطاء: {يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ}، قلت: ما لهم! وإذ ذاك لا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك في الشهر الحرام، ثم غزوهم بعد فيه؟


(١) تفسير الطبري (٤٠٩٨): ص ٤/ ٣١٣.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٥): ص ٢/ ٣٨٥.
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠، وتفسير القرطبي: ٣/ ٤٣ - ٤٤.
(٤) تفسير الطبري (٤٠٩٧): ص ٤/ ٣١٣.
(٥) نواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>