للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن مقسم مولى ابن عباس: "لقي واقد بن عبد الله عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب، وهو يرى أنه في جمادى، فقتله. وهو أول قتيل قتل من المشركين، فعير المشركون المسلمين، فقال: أتقتلون في الشهر الحرام، فأنزل الله: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه} " (١).

قال الزهري: " كان النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام، ثم أحل له بعد ذلك" (٢).

والثالث: قال السدي: " {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ}، وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي، حليفٌ لعمر بن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [بطن] مَلَل، فلما نزل ببطن ملل فتحَ الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمضِ وليوص، فإني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسار وتخلّف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، أضلا راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، فاقتتلوا، فأسَرُوا الحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرميّ، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمةٍ غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال، أراد أهل مكة أن يفادوا بالأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى ننظر ما فعل صاحبانا! فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين، ففجَر عليه المشركون وقالوا: محمد يزعم أنه يتَّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب! فقال المسلمون: إنما قتلناه في جُمادى! - وقيل: في أول ليلة من رجب، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رَجب. فأنزل الله جل وعز يعيِّر أهل مكة: " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير " لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا، أكبر من القتل عند الله، والفتنة - هي الشرك - أعظم عند الله من القتل في الشهر الحرام، فذلك قوله: {وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد الحرامِ وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل} " (٣).

قال القرطبي: "والقول بأن نزولها في قصة عبدالله بن جحش أكثر وأشهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط، وقيل ثمانية، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين، وقيل في رجب" (٤).

واختلف العلماء في نسخ حكم هذه الآية على قولين (٥):

القول الأول: أنها منسوخة، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح. قاله علي بن أبي طالب (٦)، وسعيد بن المسيب (٧)، وسليمان بن يسار (٨)، وسفيان الثوري (٩)، وعطاء بن ميسرة (١٠)، وهذا قول الجمهور.


(١) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٣): ص ٢/ ٣٨٤.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٣): ص ٢/ ٣٨٤.
(٣) تفسير الطبري (٤٠٨٣): ص ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٤١.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣١٣ - ٣١٤.
(٦) انظر: ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧١.
(٧) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠.
(٨) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن: ١/ ٢٧١. سليمان بن يسار الهلالي مولى ميمونة رضي الله عنها روى عن الصحابة والتابعين أحد فقهاء السبعة كان ثقة رفيعا كثير الحديث، ولد سنة (٢٤ هـ) وقيل (٢٧ هـ) وتوفي سنة (١٠٦ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر: التهذيب ٤/ ٢٢٨ - ٢٣٠.
(٩) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٥): ص ٢/ ٣٨٥.
(١٠) تفسير الطبري (٤٠٩٧): ص ٤/ ٣١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>