٣ - ومنها: أن البشر لا يعلمون الغيب؛ لقوله تعالى:{وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم}.
٤ - ومنها: أن الله قد يحكم حكماً شرعياً، أو كونياً على العبد بما يكره وهو خير له.
٥ - ومنها: عموم علم الله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى:{والله يعلم}؛ فحذف المفعول يفيد العموم، كما قال تعالى:{ألم يجدك يتيماً فآوى * ووجدك ضالًّا فهدى * ووجدك عائلًا فأغنى}[الضحى: ٦ - ٨]: كلها محذوفة المفاعيل: آواك، وآوى بك أيضاً؛ وأغناك، وأغنى بك؛ وهداك، وهدى بك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار:«ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي»(١).
٦ - ومنها: ضعف الإنسان، وأن الأصل فيه عدم العلم؛ لقوله تعالى:{وأنتم لا تعلمون}، كما قال تعالى:{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً}[النحل: ٧٨]، وقال ممتناً على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: {وعلَّمك ما لم تكن تعلم}[النساء: ١١٣].
يسألك المشركون -أيها الرسول- عن الشهر الحرام: هل يحل فيه القتال؟ قل لهم: القتال في الشهر الحرام عظيم عند الله استحلاله وسفك الدماء فيه، ومَنْعكم الناس من دخول الإسلام بالتعذيب والتخويف، وجحودكم بالله وبرسوله وبدينه، ومَنْع المسلمين من دخول المسجد الحرام، وإخراج النبي والمهاجرين منه وهم أهله وأولياؤه، ذلك أكبر ذنبًا، وأعظم جرمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام. والشرك الذي أنتم فيه أكبر وأشد من القتل في الشهر الحرام. وهؤلاء الكفار لم يرتدعوا عن جرائمهم، بل هم مستمرون عليها، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن الإسلام إلى الكفر إن استطاعوا تحقيق ذلك. ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.
اختلف العلماء في سبب نزول الآية على أقوال (٢):
أحدها: قال مجاهد: "إن رجلا من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، فمرّ بابن الحضرميّ يحمل خمرًا من الطائف إلى مكة، فرماه بسهم فقتله. وكان بين قريش ومحمد عَقْدٌ، فقتله في آخر يوم من جُمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت قريش: في الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: " قتالٌ فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله وكُفر به " وصد عن المسجد الحرام " وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله " من قتل ابن الحضرميّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله"(٣). وروي نحوه عن جندب بن عبد الله (٤).
(١) أخرجه البخاري ص ٣٥٤، كتاب المغازي، باب ٥٧: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، حديث رقم ٤٣٣٠؛ وأخرجه مسلم ص ٨٤٥، كتاب الزكاة، باب ٤٦: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، حديث، رقم ٢٤٢٦ [١٣٩] ١٠٦١. (٢) انظر: الناسخ والمنسوخ، النحاس: ٣٠، ونواسخ القرآن، ابن الجوزي: ١/ ٢٧٠. (٣) تفسير الطبري (٤٠٨٧): ص ٤/ ٣٠٧. (٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤٠٨٦): ص ٤/ ٣٠٨، وتفسير ابن أبي حاتم (٢٠٢٢): ص ٢/ ٣٨٤.