للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الشيخ الشنقيطي: "لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة وقد وصفه في قوله {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: ١٩] " (١).

قال القرطبي: ": {عسى}: بمعنى قد، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و"عسى" من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} [التحريم: ٥]. وقال أبو عبيدة: "عسى" من الله إيجاب" (٢).

قال أبو مالك: " كل شيء في القران: (عسى

) فهو واجب الا حرفين، حرف في التحريم: {عسى ربه ان طلقكن}، وفي بني اسرائيل: {عسى ربكم ان يرحمكم} " (٣).

قال الشيخ ابن عثيمين: " {عَسَى} تأتي لأربعة معانٍ: للرجاء؛ والإشفاق؛ والتوقع؛ والتعليل؛ والظاهر أنها هنا للتوقع، أو للترجية - لا الترجي -؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يتَرجى؛ كل شيء عنده هين؛ لكن الترجية بمعنى أنه يريد من المخاطَب أن يرجو هذا؛ أي افعلوا ما آمركم به عسى أن يكون خيراً؛ وهذا الذي ذكره الله هنا واقع حتى في الأمور غير التعبدية، أحياناً يفعل الإنسان شيئاً من الأمور العادية، ويقول: ليتني لم أفعل، أو ليت هذا لم يحصل؛ فإذا العاقبة تكون حميدة؛ فحينئذ يكون كره شيئاً وهو خير له؛ القتال كره لنا ولكن عاقبته خير؛ لأن المقاتل في سبيل الله حاله كما قال عزّ وجلّ آمراً نبيه أن يقول: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين} [التوبة: ٥٢]- يعني: لا بد من إحدى حسنيين وهما إما النصر، والظفر؛ وإما الشهادة" (٤).

قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة: ٢١٦]، " أي لعلَّكم تحبُّون القعودَ عن الجهاد وهو شرٌّ لكم، تُحرمون الفتحَ والغنيمة والشهادةَ، ويتسلطُ عليكم العدوُّ" (٥).

قال القرطبي: " وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم" (٦).

قال الصابوني: " أي وقد تحب نفوسكم شيئا وفيه كل الخطر والضرر عليكم، فلعل لكم في القتال – وإن كرهتموه– خيرا لأن فيه إما الظفر والغنيمة، أو الشهادة والأجر، ولعل لكم في تركه – وإن أحببتموه – شرا لأن فيه الذل والفقر، وحرمان الأجر" (٧).

قال ابن كثير: " وهذا عام في الأمور كلّها، قد يُحِبّ المرءُ شيئًا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة. ومن ذلك القُعُود عن القتال، قد يَعْقُبُه استيلاء العدو على البلاد والحكم" (٨).


(١) أضواء البيان: ٦٢، وانظر: الصحيح المسبور من التفسير بالمنثور: ١/ ٣٢٧.
(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم (٢٠١٧): ص ٢/ ٣٨٣.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٩.
(٥) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٥.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩. ثم قال القرطبي: " قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أم تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:
رب أمر تتقيه ... جر أمرا ترتضيه
خفي المحبوب منه ... وبدا المكروه فيه"
(تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩).
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨١.
(٨) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>