للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من ديارهم وأموالهم} [الحشر: ٨] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: ٣٢] يشمل المساكين؛ وفي قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: ٨٩] يدخل فيه الفقير؛ وكذلك هنا؛ وفي قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: ٦٠] ذكر الصنفين جميعاً" (١).

قال الرازي: " وحاجة هؤلاء [المساكين] أقل من حاجة اليتامى لأن قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى" (٢).

و{وَابْنِ السَّبِيلِ}: " هو المسافر الذي انقطع به السفر؛ " لأنه كالفقير لغيبة ماله" (٣)، "فإنه بسبب انقطاعه عن بلده، قد يقع في الاحتياج والفقر" (٤).

و{السبيل}: "هو الطريق؛ وسمي ابناً للسبيل؛ لأنه ملازم له - أي للسبيل -؛ وكل ما لازم شيئاً فهو ابن له، كما يقال: «ابن الماء» لطير الماء؛ لأنه ملازم له؛ وإنما ذكر الله ابن السبيل؛ لأنه غريب في مكانه: قد يحتاج ولا يُعلَم عن حاجته"" (٥).

قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: ٢١٥]، " أي وكل معروف تفعلونه يعلمه الله، وسيجزيكم عليه أوفر الجزاء" (٦).

قال قتادة: "محفوظ ذلك عند الله، عالم به شاكر له وانه لا شيء اشكر من الله ولا اجزا بخير من الله" (٧).

قال البيضاوي: " أي إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه" (٨).

قال ابن كثير: "أي: مهما صَدَرَ منكم من فعل معروف، فإن الله يعلَمُه، وسيجزيكم على ذلك أوفرَ الجزاء؛ فإنه لا يظلم أحدًا مثقالَ ذَرّة" (٩).

قال الفخر: أي" وكل ما فعلتموه من خير إما من هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم، والعليم مبالغة في كونه عالما يعني لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فيجازيكم أحسن الجزاء عليه كما قال: {أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} [آل عمران: ١٩] وقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: ٧] " (١٠).

وهذه الجملة شاملة لكل خير: هم سألوا ماذا ينفقون من أجل الخير؛ فعمم الله؛ والجملة شرطية: فعل الشرط فيها: {تفعلوا}؛ وجوابه جملة: {فإن الله به عليم}؛ والغرض منها بيان إحاطة الله علماً بكل ما يفعلونه من خير، فيجازيهم عليه (١١).

وإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال، فإنهم سألوا عن بيان ما ينفقون، وأجيبوا ببيان المصرف؟

فالجواب: أن قوله: {مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} قد تضمن بيان ما ينفقونه - وهو كل مال عدّوه خيراً - وبني الكلام على ما هو أهم، وهو بيان المصرف، لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها. قال حسان (١٢):

إن الصنيعة لا تكون صنيعةً ... حتى يصاب بها طريق المصنع

فإذا صنعت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دَعِ (١٣)

قال البيضاوي: " سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره" (١٤).

فيكون الكلام من الأسلوب الحكيم كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} [البقرة: ١٨٩]. فيما تقدم هذا. والله أعلم.

وقد أجاب الراغب على هذا السؤال بجوابين (١٥):

أحدهما: أنهم سألوا عنهما وقالوا: ما ننفق؟ وعلى من ننفق؟ ولكن حذف حكاية السؤال، أحدهما إيجازاً ودل عليه بالجواب بقوله: {مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ} كأنه قيل: المنفَق الخير، والمنفق عليهم هؤلاء؛ فلفف أحد الجوابين في الآخر، وهذا طريق معروف في البلاغة

الجواب الثاني: أن السؤال ضربان: سؤال جدل، وحقه أن يطابقه جوابه. لا زائداً عليه ولا ناقصاً عنه. وسؤال تعلم، وحق المعلم أن يكون كالطبيب يتحرى شفاء سقيم، فيطلب ما يشفيه - طلبه المريض أو لم يطلب. فلما كان حاجتهم إلى من ينفق المال عليهم كحاجتهم إلى ما ينفق من المال، بين لهم الأمرين جميعاً. إن قيل: كيف خص هؤلاء النفر دون غيرهم. .؟ قيل: إنما ذكر من ذكر على سبيل المثال لمن ينفق عليهم، لا على سبيل الحصر والاستيعاب، إذ أصناف المنفق عليهم على ما قد ذكر في غير هذا الموضع.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال عن العلم؛ وقد وقع سؤالهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) في القرآن أكثر من اثنتي عشرة مرة.

٢ - ومنها: أن من حسن الإجابة أن يزيد المسؤول على ما يقتضيه السؤال إذا دعت الحاجة إليه؛ فإنهم سألوا عما ينفقون، وكان الجواب عما ينفقون، وفيما ينفقون؛ ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١٦).

٣ - ومنها: فضل الإنفاق على الوالدين، والأقربين؛ وأنه مقدم على الفقراء، والمساكين؛ لأن الله بدأ بهم؛ ولا يبدأ إلا بالأهم فالأهم.


(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.
(٢) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.
(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.
(٤) مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٣.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٠.
(٧) تفسير ابن ابي حاتم (٢٠١١): ص ٢/ ٣٨٢.
(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.
(٩) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.
(١٠) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.
(١١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٥.
(١٢) ديوان حسان تحقيق د. وليد عرفات (١/ ٤٩٣) رقم القصيدة ٣٢٩.
روي أنه مرّ أبو الديك - وكان معتوها - على معلم كتاب في جبانة كندة وهو ينشد:
(إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع)
فقال أبو الديك: كذب، لا يكون المعروف معروفا حتى يصرف في أهله وفي غير أهله، ولو كان لا يصرف إلا في أهله؛ كيف ينالني منه شيء؟ ! [انظر: المجالسة وجواهر العلم، أبوبكر الدينوري المالكي: ٣/ ٣٥٢].
وذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن جعفر أنه قال: "هذان البيتان يبخلان الناس ولكن أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا". [إصطناع المعروف: ٥٢].
(١٣) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٩٨.
(١٤) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٦.
(١٥) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.
(١٦) أخرجه أحمد ٢/ ٣٦١، حديث رقم ٨٧٢١، وأخرجه أبو داود ص ١٢٢٨، كتاب الطهارة، باب ٤١، الوضوء بما البحر، حديث رقم ٨٣، وأخرجه الترمذي ص ١٦٣٨، كتاب الطهارة، باب ٥٢: ما جاء في ماء البحر أنه طهور، حديث رقم ٦٩، وأخرجه النسائي ص ٢١٠٨، كتاب المياه، باب ٤: الوضوء بماء البحر، حديث رقم ٣٣٣، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٥٠٠، كتاب الطهارة وسننها، باب ٣٨: الوضوء بما البحر، حديث رقم ٣٨٦؛ وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح ١/ ٣٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>