للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الفخر: " اعلم أنه تعالى راعى الترتيب في الإنفاق، فقدم الوالدين، وذلك لأنهما كالمخرج له من العدم إلى الوجود في عالم الأسباب، ثم ربياه في الحال الذي كان في غاية الضعف، فكان إنعامهما على الابن أعظم من إنعام غيرهما عليه، ولذلك قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين} (الإسراء: ٢٣) وفيه إشارة إلى أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين، لأن الله تعالى هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود في الحقيقة، والوالدان هما اللذان أخرجاه إلى عالم الوجود في عالم الأسباب الظاهرة، فثبت أن حقهما أعظم من حق غيرهما فلهذا أوجب تقديمهما على غيرهما في رعاية الحقوق" (١).

٤ - ومنها: أن لليتامى حقاً في الإنفاق - ولو كانوا أغنياء -؛ لأنه خصهم بالذكر، ثم ذكر بعدهم المساكين؛ فإن كانوا يتامى، ومساكين اجتمع فيهم استحقاقان: اليتم، والمسكنة؛ وإذا كانوا أقارب، ويتامى، ومساكين اجتمع فيهم ثلاثة استحقاقات؛ وإذا كانوا مع ذلك أبناء سبيل اجتمع فيهم أربعة استحقاقات.

٥ - ومنها: عموم علم الله؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم}.

٦ - ومنها: أن كل فعل خير سواء كان إنفاقاً مالياً، أو عملاً بدنياً، أو تعليم علم، أو جهاداً في سبيل الله، أو غير ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يعلمه، وسيجازي عليه؛ لأن {من خير} نكرة في سياق الشرط؛ فتكون للعموم.

٧ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يحقر من المعروف شيئاً؛ لقوله تعالى: {وما تفعلوا من خير}؛ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (٢).

مسألة:

هل يعطى ابن السبيل إذا سأل، أو يعطى وإن لم يسأل؟ هذا على أوجه:

١ - أن تعلم أنه لا يحتاج، كما لو كان غنياً تعرف أنه غني، ومر بالبلد عابراً؛ فهذا لا حاجة إلى أن تعطيه؛ حتى لو أعطيته لرأى في ذلك نقيصة له.

٢ - أن يغلب على ظنك أنه محتاج؛ ولكنه متعفف يستحيي أن يسأل؛ فالأولى إعطاؤه - وإن لم يسأل -؛ بل قد يجب.

٣ - أن تشك في أمره هل يحتاج أم لا؛ فأعرض عليه الإيتاء؛ ثم اعمل بما يقتضيه الحال.

القرآن

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)} [البقرة: ٢١٦].

التفسير:

فرض الله عليكم -أيها المؤمنون- قتال الكفار، والقتال مكروه لكم من جهة الطبع؛ لمشقته وكثرة مخاطره، وقد تكرهون شيئًا وهو في حقيقته خير لكم، وقد تحبون شيئًا لما فيه من الراحة أو اللذة العاجلة، وهو شر لكم. والله تعالى يعلم ما هو خير لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. فبادروا إلى الجهاد في سبيله.

اختلف العلماء في حكم هذه الآية، على قولين (٣):

القول الأول: أن الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.


(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٣.
(٢) اخرجه البخاري، ١١١، كتاب الزكاة، باب ١٠: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، حديث رقم ١٤١٧، وأخرجه مسلم ص ٨٣٨، كتاب الزكاة، باب ٢٠: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ... ، حديث رقم ٢٣٤٨ [٦٧] ١٠١٦.
(٣) انظر: نواسخ القرآن: ١/ ٢٦٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٨، وتفسير البغوي: ١/ ٢٤٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>