قول آخر وهو أن يكون قوله: {وما تفعلوا من خير} يتناول هذا الإنفاق وسائر وجوه البر والطاعة، وهذا أولى" (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: "من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون؛ وعما ينفقون فيه؛ لقوله تعالى: {ما أنفقتم من خير}؛ ففي هذا بيان ما ينفقون؛ وفي قوله تعالى: {فللوالدين ... } بيان ما ينفقون فيه ً" (٢).
و{لِلْوَالِدَيْنِ}: أي "الأب، والأم وإن علوا" (٣).
قال القاسمي: ذكر الوالدين" قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما مع كونه صلة الوصل" (٤).
و{وَالْأَقْرَبِينَ}: "جمع أقرب؛ وهو من كان أدنى من غيره إلى المنفِق " ليكون صلة وصدقة" (٥)؛ فأخ، وابن أخ: فالأقرب الأخ؛ وعم، وابن عم: فالأقرب العم؛ وابن أخ، وعم: فالأقرب ابن الأخ؛ ولهذا اتفق أهل العلم على أنه إذا اجتمع عم، وابن أخ في مسألة فرضية فيقدم ابن الأخ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» (٦)؛ والقرابة لهم حق؛ لأنهم من الأرحام؛ لكن الأقرب أولى من الأبعد؛ ويدخل في {وَالْأَقْرَبِينَ} الأولاد من بنين، وبنات - وإن نزلوا -" (٧).
قال الرازي: " والقرابة تصلح أن تكون سببا للترجيح من وجوه أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيا والآخر فقيرا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعا للضرر عن النفس وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد" (٨).
و{وَالْيَتَامَى}: "جمع يتيم؛ وهو مشتق من اليتم، والانفراد؛ والمراد به من مات أبوه ولم يبلغ؛ " لأن فيهم الفقر مع العجز" (٩)، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات جبراً لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره؛ فهذا إذا بلغ استقل بنفسه، فلم يكن يتيماً" (١٠).
قال الفخر: " وذلك لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ولكونهم يتامى ليس لهم أحد يكتسب لهم، فالطفل الذي مات أبوه قد عدم الكسب والكاسب، وأشرب على الضياع" (١١).
و{وَالْمَسَاكِينِ}: "جمع مسكين؛ وهو المعدم الذي ليس عنده مال؛ سمي كذلك؛ لأن الفقر قد أسكنه، وأذله؛ والمسكين هنا يدخل فيه الفقير؛ لأنه إذا ذكر المسكين وحده دخل فيه الفقير؛ وإذا ذكر الفقير وحده دخل فيه المسكين؛ وإذا اجتمعا صار الفقير أشد حاجة من المسكين؛ فيفترقان؛ وتجد في القرآن أن الفقير يأتي وحده، والمسكين يأتي وحده؛ والفقير، والمسكين يجتمعان؛ ففي قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا
(١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٣.
(٤) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.
(٦) أخرجه البخاري ص ٥٦٣، كتاب الفرائض، باب ٩: ميراث الجد مع الأب والإخوة، حديث رقم ٦٧٣٧؛ وأخرجه مسلم ص ٩٥٨، كتاب الفرائض، باب ١: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم ٤١٤١ [٢] ١٦١٥.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.
(٨) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.
(٩) محاسن التأويل: ٢/ ٨٥.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٤.
(١١) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٨٣.