للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والوجه الثاني: أن تكون {ماذا} بمعنى: أيّ شيء، فيرفع {ماذا}، وإن كان قوله: {ينفقون} واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه، وهو {ينفقون}، لا يصلح تقديمه قبله، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوز تقديم الفعل فيه قبل حرف الاستفهام، كما قال لبيد بن ربيعة (١):

ألا تَسْأَلانِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاِولُ ... أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضلالٌ وَبَاطِلُ

وكما قال مزاحم العقيل (٢):

وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا المَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ يَغْشَى مِنًى أَنَا عَارِفُ

فرفع (كل) ولم ينصبه (بعارف)، إذ كان معنى قوله: " وما كلُّ من يغشى منىً أنا عارف " جحودُ معرفه من يغشى منيً، فصار في معنى ما أحد.

قوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة: ٢١٥]؛ أي: " فقل لهم: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه وتصدقوا به واجعلوه لآبائكم وأمهاتكم وأقربيكم، ولليتامى منكم، والمساكين، وابن السبيل" (٣).

قال الصابوني: أي" قل لهم يا محمد اصرفوا في هذه الوجوه" (٤).

وقوله {مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: ٢١٥]، أي: " من مال" (٥).

قال الشربيني: " أي: مال قليلاً كان أو كثيراً" (٦).

قال الراغب: "فسمي (المال) خيرا تنبيها أن الذي يجوز إنفاقه هو الحلال الذي يتناوله اسم الخير، كما قال: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ثم بين تعالي أن كل ما يفعلونه لا يخفى عليه على الوجه الذي يفعلونه، [تنبيها أنه يجازى به] نحو قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [اللزلة: ٧ - ٨] " (٧).

وقرأ علي بن أبي طالب {يفعلوا} بالياء على ذكر الغائب، وظاهر الآية الخبر، وهي تتضمن الوعد بالمجازاة (٨).

قال الطبري: " و {الخير} الذي قال جل ثناؤه في قوله: {قل ما أنفقتم من خير}، هو المال الذي سأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أصحابُه من النفقة منه، فأجابهم الله عنه بما أجابهم به في هذه الآية" (٩).

قال الفخر: " المراد من الخير هو المال لقوله عز وجل: {وإنه لحب الخير لشديد} [العاديات: ٨] وقال: {إن ترك خيرا الوصية} [البقرة: ١٨٠] فالمعنى وما تفعلوا من إنفاق شيء من المال قل أو كثر، وفيه


(١) ديوانه: ٢/ ٢٧ القصيدة: ٤١، وسيبويه ١: ٤٠٥ والخزانة ٢: ٥٥٦ ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٩ وغيرها. والشاهد فيه أنه رفع " نحب " وهو مردود على " ما " في " ماذا ". فدل ذلك على أن " ذا " بمعنى " الذي " وما بعده من صلته، فلا يعمل فيما قبله. والنحب: النذر. يقول: أعليه نذر في طول سعيه الذي ألزم به نفسه؟ والنحب: الحاجة وهي صحيحة المعنى في مثل هذا البيت يقول: أهي حاجة لا بد منها يقضيها بسعيه، أم هي اماني باطلة يتمناهان لو استغنى عنها وطرحها لما خسر شيئًا، ولسارت به الحياة سيرًا بغير حاجة إلى هذا الجهاد المتواصل، والاحتيال المتطاول؟
(٢) ديوانه: ٢٨، وسيبويه ١: ٣٦ ن ٧٣، شاهدا على نصب " كل " ورفعها ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٩ وقال: لم " أسمع أحدًا نصب " كل وشرح شواهد المغني: ٣٢٨. وقوله: " تعرفها المنازل " بنصبها على حذف الخافض أو الظرف أي تعرف صاحبتك بالمنازل من منى. فيقول: لا أعرف أحدًا يعرفها ممن يغشى مني فأسأله عنها.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩١.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ٣٨٠.
(٥) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.
(٦) تفسير السراج المنير: ١/ ١٦٠.
(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٤.
(٨) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٩، وتفسير القرطبي: ٣/ ٣٧.
(٩) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>