للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الشربيني: "ليس في الآية ما ينافي فرض الزكاة لينسخ به كما قيل؛ لأنّ الزكاة لا تعطى للوالدين ولا للأقربين من الأولاد وأولاد الأولاد، فالآية محمولة على الإنفاق على من ذكر تطوّعاً أو على الإنفاق على الفقراء من الوالدين والأولاد وأولاد الأولاد، وذلك ليس بمنسوخ" (١).

قال مالك "ليس عليه (٢) أن يزوج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه، كانت أمه أو أجنبية، وإنما قال مالك: ليس عليه أن يزوج أباه لأنه رآه يستغني عن التزويج غالبا، ولو احتاج حاجة ماسة لوجب أن يزوجه، ولولا ذلك لم يوجب عليه أن ينفق عليهما. فأما ما يتعلق بالعبادات من الأموال فليس عليه أن يعطيه ما يحج به أو يغزو، وعليه أن يخرج عنه صدقة الفطر، لأنها مستحقة بالنفقة والإسلام" (٣).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} [البقرة: ٢١٥]؛ " أي: يسألك أصحابك يا محمد، أي شيء ينفقون من أموالهم فيتصدقون به" (٤).

قال القاسمي: " أي: شيء ينفقونه من أصناف الأموال" (٥).

قال ابن كثير: " يسألونك كيف ينفقون" (٦). قاله ابن عباس ومجاهد.

قال الشيخ ابن عثيمين: "والسؤال هنا عن المنفَق؛ لا على المنفق عليه؛ أي يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنساً، وقدراً، وكيفاً" (٧).

قال الشوكاني: " السائلون هنا هم المؤمنون سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيها على انه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه وقيل إنه قد تضمن قوله {ما انفقتم من خير} بيان ما ينفقونه وهو كل خير وقيل إنهم إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر" (٨).

وفي قوله: {ماذا} [البقرة: ٢١٥]، وجهان من الإعراب (٩):

أحدهما: أن يكون {ماذا} بمعنى: أيّ شيء؟ ، فيكون نصبًا بقوله: {ينفقون}، فيكون معنى الكلام حينئذ: يسألونك أيَّ شيء ينفقون؟ ، ولا يُنصَب بـ (يسألونك).

والثاني: الرفع، وللرفع في ذلك وجهان:

الوجه الأول: أن يكون (ذا) الذي مع (ما) بمعنى (الذي)، فيرفع (ما) بـ (ذا) و (ذا) لِـ (ما)، و {ينفقون} من صلة (ذا)، فإن العرب قد تصل (ذا) و (هذا)، كما قال يزيد بن مفرغ الحميري (١٠):

عَدَسْ! مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ ... أمنْتِ وهذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ!

فـ (تحملين) من صلة (هذا)، فيكون تأويل الكلام حينئذ: يسألونك ما الذي ينفقون؟ .


(١) تفسير السراج المنير: ١/ ١٦٠.
(٢) أي الولد.
(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٧.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩١.
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٤.
(٦) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٣.
(٨) فتح القدير: ١/ ٢١٦.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(١٠) تاريخ الطبري ٦: ١٧٨ والأغاني ١٧: ٦٠ (ساسي) ومعاني القرآن للفراء ١: ١٣٨ والخزانة: ٢: ٢١٦، ٥١٤ واللسان (عدس) من أبيات في قصة يزيد بن مفرغ مع عباد بن زياد بن أبي سفيان، وكان معاوية ولاه سجستان فاستصحب معه يزيد بن مفرغ فاشتغل عنه بحرب الترك. فغاظ ذلك ابن مفرغ واستبطأ جائزته، فبسط لسانه في لحية عباد وكان عباد عظيم اللحية فقال: ألا لَيْتَ اللِّحَى كانت حشيشًا ... فنَعْلِفَها خيولَ المسلمينَا فعرف عباد ما أراد فطلبه منه، فهجاه وهجا معاوية باستلحاق زياد بن أبي سفيان فأخذه عبيد الله بن زياد اخو عباد، فعذبه عذابًا قبيحًا، وأرسله إلى عباد، ثم أمرهما معاوية بإطلاقه فلما انطلق على بغلة البريد، قال هذا الشعر الذي أوله هذا البيت. وقوله: " عدس " زجر للبغلة، حتى صارت كل بغلة تسمى " عدس ". والشعر شعر جيد فاقرأه في المراجع السالفة.

<<  <  ج: ص:  >  >>