للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن عاشور: " أي أزعجوا أو اضطربوا، وإنما الذي اضطرب نظام معيشتهم، قال تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: ١١] " (١).

قال السعدي: أي: " بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال، وآل بهم الزلزال، إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به" (٢).

قال السدي: " أصابهم هذا يوم الأحزاب حتى قال قائلهم: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} " (٣).

قال القرطبي: " (الزلزلة) تعني شدة التحريك، تكون في الأشخاص وفي الأحوال، يقال: زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت، فمعنى "زلزلوا" خوفوا وحركوا. والزلزال - بالفتح - الاسم. والزلازل: الشدائد. وقال الزجاج: أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج" (٤).

قال الراغب: " (الزلزلة): شدة الحركة، وأصلها زل، ولزيادة المعنى زيد لفظه، وعلى هذا دل ودلدل، وما أشبهه به من المضعف مع الحرف المكرر بين تعالى أنه لا سبيل للناس كافة إلي الجنة إلا بتحمل المشاق، ولهذا ولهذا قال عليه السلام: "حفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات " (٥)، فخاطب هذه الأمة بأنه محال أن ترجو تحصيل الجنة إلا بما جرى به حكم الله في الذين سلفوا، وهو أن تنالكم البأساء أي الفقر، والضراء أي المصائب، والزلزلة أي المخاوف، وبذلك أثنى على المؤمنين فقال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وليس ذلك في الأمور الإلهية فقط، بل في عامة الملاذ لا سبيل إلى منحة إلا بمنحة، ولا إلى لذة إلا بشدة، ولهذا قيل: ولابْد دُون الشهدِ من أثرِ النحلِ" (٦).

قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [البقرة: ٢١٤]، أي: " حتى وصل بهم الحال أن يقول الرسول والمؤمنون معه: متى يأتي نصر الله"" (٧).

قال ابن عثيمين: " والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه" (٨).

قال الشوكاني: "أي استمر ذلك إلى غاية، هي قول الرسول ومن معه" (٩) (١٠).


(١) التحرير والتنوير: ٢/ ٣١٦.
(٢) تفسير السعدي: ١/ ٩٦.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٠٠٤): ص ٢/ ٣٨٠.
(٤) تفسير اقرطبي: ٣/ ٣٤.
(٥) صحيح مسلم (٢٨٢٣): ص ٤/ ٢١٧٤، ومسند الإمام أحمد (٨٧٢١): ص ٢/ ٣٨٠.
(٦) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٨) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٤٠.
(٩) فتح القدير: ١/ ٢١٦.
(١٠) قال افخر: "في الآية إشكال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد {متى نصر الله}. والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، قال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون} (الحجر: ٩٧) وقال تعالى: {لعلك باخع نفسك * أن لا * يكونوا مؤمنين} (الشعراء: ٣) وقال تعالى: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى} (يوسف: ١١٠) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك، قال عند ضيق قلبه: {متى نصر الله} حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب: {ألا إن نصر الله قريب} فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعا عن القرب ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا؟ لما كان هذا الجواب مطابقا لذلك السؤال، وهذا هو الجواب المعتمد.
والجواب الثاني: أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكر كلامين أحدهما: {متى نصر الله} والثاني: {ألا إن نصر الله قريب} فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين إلى واحد من ذينك المذكورين: فالذين آمنوا قالوا: {متى نصر الله} والرسول صلى الله عليه وسلم قال: {ألا إن نصر الله قريب} قالوا ولهذا نظير من القرآن والشعر، أما القرآن فقوله: {ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله} والمعنى: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار، وأما من الشعر فقول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطباويابسا ... لدي وكرها العناب والحشف البالي
فالتشبيه بالعناب للرطب وبالحشف البالي لليابس، فهذا جواب ذكره قوم وهو متكلف جدا" (مفاتيح الغيب: ٦/ ٢٠ - ٢١).

<<  <  ج: ص:  >  >>