للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الراغب: قيل معناه: على سبيل الإبطاء، ثم تداركوا، وعادوا إلى معرفتهم" (١).

قال البغوي: أي: " ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر" (٢).

قال الصابوني: " وذلك استبطاء منهم للنصر، لتناهي الشدة عليهم، وهذا غاية الغايات في تصوير شدة المحنة، فإذا كان الرسل – مع علو كعبهم في الصبر والثبات – قد عيل صبرهم، وبلغوا هذا المبلغ من الضجر والضيق، كان ذلك دليلا على أن الشدة بلغت منتهاها" (٣)

قال الراغب: " أى بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر حتى قالوا ذلك. ومعناه طلب الصبر وتمنيه، واستطالة زمان الشهدة. وفي هذه الغاية دليل على تناهى الأمر في الشدة وتماديه في العظم، لأنّ الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمح وراءها" (٤).

قال القاسمي: " أي: انتهى أمرهم من الشدة إلى حيث اضطرهم الضجر إلى أن يقول الرسول وهو أعلم الناس بشؤون الله تعالى، وأوثقهم بنصره، وداعيهم إلى الصبر - والذين آمنوا وهم الأثبت بعده، العازمون على الصبر، الموقنون بوعد النصر -" (٥).

وفي قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُول} [البقرة: ٢١٤] قراءتان (٦):

إحداهما: {يَقُولُ}، بالرفع، قرأ بها نافع، وذلك على إلغاء عمل {حتى}، ومن ذلك قول الفرزدق (٧):

فيا عجبا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع

قال النحاس: "فعلى هذه القراءة بالرفع وهي أبين وأصحّ معنى أي وزلزلوا حتى الرسول يقول أي حتى هذه حاله، لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى" (٨).

وفي رواية الفراء عن محمد بن الجهم، "أن الكسائي كان يقرؤها دهرا رفعا ثم رجع إلى النصب" (٩).

هذه

قال القرطبي: "والرسول هنا شعْيا (١٠) في قول مقاتل، وهو اليسع. وقال الكلبي: هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال: متى نصر الله؟ . وروي عن الضحاك قال: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وعليه يدل نزول الآية، والله أعلم" (١١).

والثانية: {يَقُولَ} بالنصب، وهي قراءة الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم، وذلك على إعمال {حتى} الناصبة، ؛ وهي لا تعمل إلا في المستقبل (١٢).


(١) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٤٣.
(٢) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٥.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٣.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٤.
(٦) انظر: السبعة: ١٨١ - ١٨٢، وتفسير الطبري: ٤/ ٢٩٠، وإعراب القرآن: ١/ ١٠٨، ونقله القرطبي: ٣/ ٣٤.
(٧) ديوانه: ٤١٩، هجا كليب بن يربوع رهط جرير، وجعلهم من الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع: رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم
(٨) إعراب القرآن: ١/ ١٠٨، ونقله القرطبي: ٣/ ٣٤.
(٩) السبعة: ١٨١ - ١٨٢.
(١٠) من أنبياء بني إسرائيل، بعث بعد موسى. انظر: تاج العروس (سعى، أشعى).
(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥.
(١٢) وإن قيل: ما وجه نصبها وهي حكاية عن شيء مضى؟
فالجواب: ما قاله المعربون: أنه نصب على حكاية الحال؛ وإذا قدرنا حكاية الحال الماضية صار {يقول} مستقبلاً بالنسبة لقوله تعالى: {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا}؛ و {الرسول}: المراد به الجنس - أي حتى يقول الرسول من هؤلاء الذين زلزلوا، ومستهم البأساء، والضراء -؛ و {معه} المصاحبة هنا في القول، والإيمان - أي يقولون معه وهم مؤمنون به -؛ {متى نصر الله}: الجملة مقول القول؛ والاستفهام فيها للاستعجال - أي استعجال النصر -؛ وليس للشك فيه. (تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>