قال الزمخشري: " ولما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجيء البينات- تشجيعاً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لآياته وعداوتهم له- قال لهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ: {أم حسبتم} " (١).
و{أَمْ}: منقطعة، ومعنى الهمزة فيها، للتقرير وإنكار الحسبان واستبعاده (٢).
والخطاب في قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ}، "يعود على كل من يتوجه إليه الخطاب: إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الصحابة، وإلى من بعدهم" (٣).
و{الجنة} في اللغة: "البستان كثير الأشجار؛ وفي الشرع: هي الدار التي أعدها الله للمتقين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (٤).
قوله تعالى: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: ٢١٤]؛ أي " أي والحال لم ينلكم مثل ما نال من سبقكم من المؤمنين، من المحن الشديدة، ولم تبتلوا بمثل ما ابتلوا به من النكبات" (٥).
قال الطبري: أي: " ولم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار" (٦).
قال القاسمي: "والحال أنه لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مَثَلٌ في الفظاعة والشدة، سنة الله التي لا تتبدل" (٧).
وفي قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: ٢١٤]، وجهان:
أحدهما: أي: " شبه الذين خلوا فمضوا قبلكم". قاله الطبري (٨).
والثاني: أن المعنى: " سنتهم، كما قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ} [الزخرف: ٨] ".وهذا قول الربيع بن أنس (٩)، وبه قال ابن كثير (١٠).
قال ابن عثيمين: "أي صفة ما وقع لهم؛ و (المثل) يكون بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون} [الرعد: ٣٥] أي صفتها كذا، وكذا؛ ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} [البقرة: ١٧] أي شبههم كشبه الذي استوقد ناراً؛ و {خلوا} بمعنى مضوا؛ فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: {من قبلكم} إذا كانت {خلوا} بمعنى مضوا؟ نقول: هذا من باب التوكيد؛ والتوكيد قد يأتي بالمعنى مع اختلاف اللفظ، كما في قوله تعالى: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: ٦٠]؛ فإن الإفساد هو العثو؛ ومع ذلك جاء حالاً من الواو؛ فهو مؤكد لعامله" (١١).
أخرج ابن أبي حاتم عن مفضل قال: "سالت أبا صخر، عن قوله: {ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم}، يقول: ولم اضربكم ببلايا كما بلوت الذين من قبلكم، بلوتهم بالباساء والضراء وزلزلوا " (١٢).
واخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن انس: {ولما ياتكم}، يقول: "ولما تبتلوا" (١٣).
(١) الكشاف: ١/ ٢٥٦.
(٢) انظر: الكشاف: ١/ ٢٥٦.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٩.
(٦) صفوة التفاسير: ٤/ ٢٨٨.
(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٩.
(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٨): ص ٢/ ٣٧٩.
(١٠) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧٢.
(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٨.
(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٧): ص ١/ ٣٧٩.
(١٣) تفسير ابن أبي حاتم (١٩٩٨): ص ١/ ٣٧٩.