والثاني: أن المعني بـ {الناس}: "آدم وحواء" (١).
وهذا القول نظيرُ قول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح، إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس.
والقول الأول أصح الأقوال سندا ومعنى، وبه قال جمهور المفسرين (٢)، "لأن الناس كانوا على ملة آدم، عليه السلام، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال: {وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} " (٣).
قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: ٢١٣]، " أي: فبعث الله الأنبياء لهداية الناس، مبشرين للمؤمنين بجنات النعيم ومنذرين للكافرين بعذاب الجحيم" (٤).
قال الطبري: " يعني: أرسل الله رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب وينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار" (٥).
قال الثعلبي: " {مُبَشِّرِينَ}، بالثواب من آمن وأطاع، {وَمُنْذِرِينَ}، محذّرين بالعذاب من كفر وعصى" (٦).
قال ابن عثيمين: " المعنى أنهم اختلفوا؛ فبعث الرسل" (٧).
و{بَعَثَ} بمعنى أرسل، كقوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} [الحديد: ٢٥]؛ والمراد بـ {النبيين} هنا الرسل؛ لقوله تعالى: {مبشرين ومنذرين} (٨).
قال القرطبي: " وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبي ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في "الأعراف" إن شاء الله تعالى" (٩).
قال الشوكاني: " قيل جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر" (١٠).
وقوله تعالى: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: ٢١٣]: "هذان حالان؛ لأن الرسل يأتون بالبشارة والنذارة في آن واحد؛ يعني: ليس بعض الرسل مبشراً، والآخر منذراً؛ بل كل واحد جامع بين التبشير، والإنذار؛ أي مبشرين بثواب الله عزّ وجلّ لمن استحقه؛ ومنذرين بعقاب الله من خالف أمره؛ قال الله - تبارك وتعالى -: {لينذر بأساً شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً} [الكهف: ٢]؛ فهنا بينت الآية المبشَّر، والمبشَّر به؛ فالمبشَّر: المؤمنون الذين يعملون الصالحات؛ والمبشَّر به: أن لهم
(١) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٢) منهم الفخر الرازي، إذ ذكر وجوها لتصويبه، فقال: هذا قول أكثر المحققين". [انظر: مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٧٢ - ٣٧٣].
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٩.
(٤) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٢.
(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠.
(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣٣.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.
(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.
(٩) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١ - ٣٢.
(١٠) فتح القدير: ١/ ٢١٣.