للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً؛ {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً} [الكهف: ٤، ٥]؛ فالمنذَر: هم الكفار؛ والمنذر به: العذاب" (١).

قوله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: ٢١٣]؛ أي: " وأنزل مع الرسل، الكتب السماوية لهداية البشرية" (٢).

قال القاسمي: أي: وأنزل معهم" كلامه الجامع لما يحتاجون إليه في باب الدين على الاستقامة والهداية التامة، لكونه متلبسا بِالْحَقِّ من جميع الوجوه" (٣).

قال القرطبي: " {الْكِتَابَ} اسم جنس بمعنى الكتب" (٤)، كذا قاله الشوكاني (٥)، خلاف الطبري (٦).

واختلف في نوع (الألف واللام) في ققوله: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} [البقرة: ٢١٣]، على وجهين:

أحدهما: أنها للجنس. قاله الجمهور.

والثاني: أنها للعهد. قاله الطبري (٧) خلافا للجمهور.

والراجح هو قول الجمهور، وأما قول الطبري، فهو خلاف ظاهر القرآن؛ وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} [الحديد: ٢٥]؛ فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاباً؛ وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلغه إلى الناس؛ ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها - وحتى في منهاجها -، ولا يكون فيها إلا اختلاف يسير، كما في شريعة التوراة والإنجيل؛ فإن هذا لا يضر؛ المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب؛ و «كتاب» بمعنى مكتوب؛ فمنه ما نعلم أن الله كتبه؛ ومنه ما لا نعلم أن الله كتبه لكن تكلم به (٨). والله أعلم.

قال البيضاوي: {الكتاب}: " يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم" (٩).

وفي قوله تعالى: {الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [البقرة: ٢١٣]، وجهان:

أحدهما: أي "ما جاءت به الكتب فهو حق" (١٠). أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل" (١١).

والثاني: أن الكتب نفسها حق من عند الله؛ وليست مفتراة عليه.

قال ابن عثيمين: " وكلا المعنيين صحيح؛ فهي حق من عند الله؛ وما جاءت به من الشرائع، والأخبار فهو حق؛ و «الحق» أي الثابت النافع؛ وضده الباطل الذي يزول، ولا ينفع؛ والحق الثابت في الكتب المنزلة من عند الله: بالنسبة للأخبار هو الصدق المطابق للواقع؛ وبالنسبة للأحكام فإنه العدل المصلح للخلق في معاشهم، ومعادهم، كما قال الله - تبارك وتعالى -: {وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلًا} [الأنعام: ١١٥] " (١٢).


(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٧.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٧.
(٣) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.
(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٢.
(٥) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٦) إذ يرى بأن الألف واللام للعهد. انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٠، ، إذ يرى بأن الألف واللام في (الكتاب) للعهد، والمراد التوراة. يقول: " وأنزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه "، يعني بذلك: ليحكم الكتاب - وهو التوراة - بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه".
(٨) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.
(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٨.
(١١) التفسير البسيط: ٤/ ١١٢.
(١٢) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>