للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال قتادة: " كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ" (١).

فتفسير (الأمة) على هذا القول: (الدين)، ومنه قوله تعالى {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: ٩٣] [المائدة: ٤٨]، "يراد به أهل دين واحد وملة واحدة" (٢)، وكما قال النابغة الذبياني (٣):

حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طَائِعُ؟

يعني ذا الدين (٤).

قال القرطبي: " منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين" (٥).

الوجه الثاني: أن كلمة {الناس}، المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وهذا قول الكلبي الواقدي (٦).

وروي عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: " {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}، وإن الله إنما بعث الرسل وأنزل الكتاب بعد الاختلاف" (٧).

والثاني: أن (الأمة) تعني: طاعة الله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا} [سورة النحل: ١٢٠]، يعني بقوله (أمة)، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه.

والمراد بـ {الناس}: آدم وذريته، إذ كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وهذا قول مجاهد (٨)، والثوري (٩).

وعلى هذا القول يجوز تسمية الواحد باسم الجماعة، لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ (الأمة)، كما يقال: فلان أمة وحده، يقول مقام الأمة، وقد يجوز أن يكون سماه بذلك، لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم سماه بذلك {أمة} (١٠).

والثالث: أن معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم. وهذا قول أبي بن كعب (١١)، وابن زيد (١٢).

وهذا القول له وجهين:

الأول: أن المعني بـ {الناس}: "آدم وحده، وسمى ناسا لأنه أصل النسل" (١٣).


(١) تفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.
(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.
(٣) ديوانه: ٤٠، واللسان (أمم) من قصيدته المشهورة في اعتذاره للنعمان. يقول: أيتهجم على الإثم ذو دين، وقد أطاع الله واخبت له، فيحلف لك كاذبا يمين غموس كالتي حلفت بها، لأنفي عن قلبك الريبة في أمري.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.
(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١.
(٦) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٨٤): ص ٢/ ٣٧٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٩.
(٨) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨١): ص ٢/ ٣٧٥.
(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨١): ص ٢/ ٣٧٥.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.
(١١) انظر: تفسير طبري (٤٠٥٣): ص ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(١٢) انظر: تفسير طبري (٤٠٥٤): ص ٤/ ٢٧٨.
(١٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>