كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اخْتَلَف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة، وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام، فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل، ومعرفة ما اختلفوا فيه. والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم.
قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: ٢١٣]، أي: "كان الناس على دين واحد" (١).
قال الصابوني: " أي كانوا على الإيمان والفطرة المستقيمة، فاختلفوا وتنازعوا" (٢).
قال الشوكاني: "أي مقصدهم واحد غير مختلف" (٣).
قال الطبري: "كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد" (٤).
قال القاسمي: "أي: وجدوا أمة واحدة تتحد مقاصدها ومطالبها ووجهتها لتصلح ولا تفسد. وتحسن ولا تسيء، وتعدل ولا تظلم، أي: ما وجدوا إلا ليكونوا كذلك، كما قال في الآية الأخرى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا} [يونس: ١٩] أي: انحرفوا عن الاتحاد والاتفاق، الذي يثمر كل خير لهم وسعادة، إلى الاختلاف والشقاق المستتبع الفساد وهلاك الحرث والنسل، ولما كانوا لم يخلقوا سدىً منّ الله عليهم بما يبصّرهم سبيل الرشاد في الاتحاد على الحق من بعثة الأنبياء وما نزل معهم من الكتاب الفصل، كما أشارت تتمة الآية" (٥).
قال القفال: " الأمة: القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الأئتمام" (٦).
و(الأمة): "مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته" (٧).
وقد اختلف المفسسرون في معنى (الأمة) في هذه الآية ومن المعني بـ (الناس) (٨):
أحدها: أنهم كانوا على الحق، فاختلفوا بعد ذلك، وهو قول ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠)، والضحاك (١١).
فاتفقوا على أن المراد بالأمة هي شريعة الحق، ولكن اختلفوا في (الناس) على وجهين:
الوجه الأول: قيل المراد بـ {الناس}: " القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح" (١٢). وهذا قول ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤).
قال ابن عباس: "كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله {كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا} " (١٥).
(١) انظر: فتح القدير: ١/ ٢١٣. وتفسير البغوي: ١/ ٢٤٣.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٧.
(٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٦.
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٨٣.
(٦) مفاتيح الغيب: ٦/ ٣٧٢.
(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٥ وما بعدها.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٥٥): ص ٤/ ٢٧٨، و (٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥.
(١٠) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٧)، و (١٩٨٥): ص ٢/ ٣٧٦، وتفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.
(١١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٨٦): ص ٢/ ٣٧٦.
(١٢) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٤٩): ص ٤/ ٢٧٦.
(١٥) تفسير الطبري (٤٠٤٨): ص ٤/ ٢٧٥، ورواه الحاكم في المستدرك ٢: ٥٤٦ - ٥٤٧ وقال: " هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه " ووافقه الذهبي.