للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال النحاس: "وهي قراءة شاذة، لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر" (١).

والثالث: {زينت} بإظهار العلامة، وهي قراءة ابن أبي عبلة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي (٢).

واختلف في سبب عدم تأنيث (الحياة) في الآية على أقوال:

أحدها: أنه لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: ٢٧٥] {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: ٦٧]، {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ} [الأنعام ٦٦]، فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة. وهذا قول الفراء (٣).

والثاني: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء. وهذا قول الزجاج (٤).

والثالث: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: {لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث. وهذا قول اابن الأنباري (٥).

ومن ذلك قول الشاعر (٦):

إن امرأ غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور

قوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: ٢١٢]، أي" ويستهزءون بالفقراء من المؤمنين" (٧).

أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قوله: {ويسخرون من الذين امنوا}، ويقولون: ما هؤلاء علي شيء، استهزاء وسخريا" (٨).

قال ابن عطية: " إشارة إلى كفار قريش لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ويسخرون من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم" (٩).

قال الصابوني: أي "وهم مع ذلك يهزأون ويسخرون بالمؤمنين، يرمونهم بقلة العقل، لتركهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة كقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} [المطففين: ٢٩] " (١٠).

قال الشوكاني: " والحال أن أولئك الكفار يسخرون من الذين آمنوا لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفر وأساطين الضلال وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيدا رابحا ومن حرمه شقيا خاسرا وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم إلتفاتهم إلى الدنيا وزينتها" (١١).

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة: ٢١٢]، " أي والمؤمنون المتقون لله فوق أولئك الكافرين منزلةً ومكانة يوم القيامة" (١٢).


(١) معاني القرآن: ١/ ١٠٦.
(٢) انظر معاني القرآن للفراء: ١/ ١٢٥.
(٣) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٢٥.
(٤) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.
(٥) معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٨١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٣١، "البحر المحيط" ٢/ ١٢٩
(٦) لم أتعرف على قائله والبيت في تفسير الثعلبي: ٢/ ١٣١، وزاد المسير: ١/ ٣٠٥، ولسان العرب: ٥/ ١١.
(٧) تفسير البغوي: ١/ ٢٤٢.
(٨) تفسير ابن أبي حاتم: ٢/ ٣٧٤. عن محمد بن يحيى، انبا الحسن بن عمرو بياع السابري، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة.
(٩) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٤.
(١٠) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧١.
(١١) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(١٢) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>