للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثاني: قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الكهف: ٧].

قال البغوي: "الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها" (١).

وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه" (٢).

قال الراغب: " التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} " (٣).

قال الشيخ ابن عثيمين: والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره؛ فأصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً (٤).

و{الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}: "يعني ما فيها من الشهوات، والملذات؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: ١٤] (٥) ".

و{الدنيا}: " فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو -؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين: الأول: دنوّ مرتبتها؛ الثاني: سبقها على الآخرة؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها» (٦)؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً" (٧).

وقد خص {الذين كفروا} بالذكر، لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا (٨).

قال الشوكاني: " وإنما خص الذين كفروا بالذكر مع كون الدينا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق ايهم أحسن عملا لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة والمسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة" (٩).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {زُيِّنَ} [البقرة: ٢١٢]، على ثلاثة أوجه (١٠):

أحدها: : {زُيِّنَ}. بضم (الزاي) على البناء للمفعول. وهي قراءة الجمهور.

والثاني: {زَيِّنَ}، بفتح (الزاي) على بناء الفاعل، قرأ بها مجاهد وحميد بن قيس (١١)، أبي بن كعب، والحسن وابن محيصن وأبو حيوة.


(١) تفسير البغوي: ١/ ٢٧٠، وانظر: زاد المسير: ١/ ٢٢٨.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٤.
(٣) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٦.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٠.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٢١.
(٦) أخرجه أحمد ٥/ ٣٣٠، حديث رقم ٢٣١٨٣؛ وأخرجه البخاري ص ٢٣٢، كتاب الجهاد والسير، باب ٧٣: فضل رباط يوم في سبيل الله، حديث رقم ٢٨٩٢.
(٧) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢١ - ٢٢.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨ - ٢٩.
(٩) فتح القدير: ١/ ٣١٣.
(١٠) انظر: الدر المصون: ٢/ ٣٧١، والمحرر الوجيز: ٢/ ٢٠٣، وزاد المسير: ١/ ٢٢٨، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.
(١١) حميد بن قيس المكي الأعرج القارئ، ثقة، أخذ عرضا عن مجاهد (ت ٢٢٤ هـ) ترجمته في غاية النهاية ١/ ٢٦٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>