قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} [البقرة: ٢١٢]، أي: " زينت للكافرين شهوات الدنيا ونعيمها حتى نسوا" (١).
قال المراغي: " أي حسنت الحياة الدنيا للكافرين وأشربت محبتها في قلوبهم فتهالكوا عليها، وتهافتوا فيها، وأعرضوا عن الدين حين ظنوا أن منافعها قد تفوتهم" (٢).
قال البيضاوي: أي: " حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، ويدل عليه قراءة «زُيّنَ» على البناء للفاعل، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض" (٣).
وفي المزين لهم ثلاثة أقوال:
أحدها: زينها لهم الشيطان بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله الحسن (٤)، وابن كيسان (٥)، والزجاج (٦).
قال الشوكاني: " والمزين هو الشيطان أو الأنفس المجبولة على حب العاجلة" (٧).
والثاني: زينها لهم الذين أغووهم من الإنس والجن، وهو قول المعتزلة (٨).
قال الرازي: و"هذا ضعيف لأن قوله تعالى: {زين للذين كفروا} يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دورا فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لا بد وأن يكون مغايرا لهم فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضا، وقد بينا أن المزين لا بد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف" (٩).
قال القرطبي: " ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه" (١٠).
والثالث: أن الله تعالى زينها لهم بالشهوات التي خلقها لهم.
قال القرطبي: " والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر" (١١).
قال الواحدي: " وإنما فعل الله ذلك بهم للابتلاء، كما قال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف: ٧] " (١٢).
ويدل على صحة هذا التأويل وجهان (١٣):
الوجه الأول: قراءة من قرأ {زَيَّنَ للذين كفروا} بفتح، الزاي (١٤)، على البناء للفاعل، يعني: الله تعالى.
(١) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧١. [بتصرف بسيط].
(٢) تفسي المراغي: ٢/ ١١٨.
(٣) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٥.
(٤) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٠.
(٥) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.
(٦) انظر: معاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٨٢.
(٧) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٧٠، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٨.
(٩) مفاتيخ الغيب: ٦/ ٣٦٨.
(١٠) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.
(١١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٨.
(١٢) التفسير البسيط: ٤/ ١٠٥.
(١٣) انظر: ومفاتيح الغيب: ٦/ ٣٦٨، والتفسير البسيط: ٤/ ١٠٥.
(١٤) بها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد، وحميد، وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة. ينظر: "المحرر الوجيز" ٢/ ٢٠٣، "زاد المسير" ١/ ٢٢٨.