قال ابن عثيمين: " أي فوقهم مرتبة، ومنزلة؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة؛ وهذا كقوله تعالى: {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون} [المطففين: ٣٤، ٣٥] " (١).
قال ابن عطية: " ومعنى الفوق هنا في الدرجة والقدر فهي تقتضي التفضيل وإن لم يكن للكفار من القدر نصيب، كما قال تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا [الفرقان: ٢٤] " (٢).
قال الطبراني: " يعني الذينَ اتَّقَوا الشركَ والفواحش والكبائرَ فوقَ الكفار يوم القيامة، في الجنةِ يكون المؤمنون في عِلِّيِّيْنَ والكفارُ في الجحيم" (٣).
و(التقوى): " وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة" (٤).
وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الفوقية، على أقوال (٥):
أحدها: أن المراد: الفوقية في الكرامة والدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. وهذا معنى قول قتادة (٦).
والثاني: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض.
والثالث: أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم.
والرابع: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)} [المطففين: ٢٩ - ٣٤].
والخامس: المراد: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية.
والسادس: وتحتمل الآية أن المتقين هم في الآخرة في التنعم والفوز بالرحمة فوق ما هم هؤلاء فيه في دنياهم، وكذلك خير مستقرا من هؤلاء في نعمة الدنيا، فعلى هذا الاحتمال وقع التفضيل في أمر فيه اشتراك.
قال ابن عطية: " وهذا كله من التحميلات حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك" (٧).
فيمكن القول بأن "المراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة والكفار في النار لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط
(١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢.
(٢) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥.
(٣) تفسير الطبراني: ١/ ١٥٢.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٢٢.
(٥) انظر: المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥، ومفاتيح الغيب: ٦/ ٩. وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٩.
(٦) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٥٦): ص ٢/ ٣٧٥.
(٧) المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٥.