أحدهما: أن المراد آياته ودلائله، وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان:
الوجه الأول: فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام، قال: المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: ١٢٥].
والوجه الثاني: ومن قال: المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام، قال: المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها. وهذا قول الزجاج (١).
والقول الثاني: المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية والله تعالى
هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا، ولكن أضاف التبديل إليهم لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات.
القول الثالث: أن النعم: الإسلام وما فرض من شرائع دينه. وهذا قول الطبري (٢).
والصواب، أن قوله (نعمة الله) عام لجميع عباده من وقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها. والله أعلم.
قال الشوكاني: "والمراد بـ {النعمة} هنا ما جاءهم من الآيات وقال ابن جرير الطبري النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على عبد من عباده كائنا من كان فوقع منه التبديل لها وعدم القيام بشكرها ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل أو كونهم السبب في النزول لما تقرر من أن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" (٣).
قال القرطبي: (النعم) " لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا" (٤).
وقرئ: {وَمَنْ يُبَدِّلْ} بالتخفيف (٥).
قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ} [البقرة: ٢١١]، أي: " ن بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها" (٦).
قال البيضاوي: " وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها" (٧).
قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: ٢١١]، أي: " فإِن عقاب الله له أليم وشديد" (٨).
قال الزجاج: " أي شديد التعذيب" (٩).
قال الطبري: أي: " أليم عذابه" (١٠).
قال ابن عثيمين: أي قوي الجزاء بالعقوبة؛ وسمي الجزاء عقوبة، وعقاباً؛ لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به" (١١).
(١) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٨١.
(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٢.
(٣) فتح القدير: ١/ ٢١٣.
(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٨.
(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٤.
(٦) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.
(٧) تفسير البيضاوي: ١/ ١٣٤.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.
(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٨١.
(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٢.
(١١) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٩.