والثاني: أنها جملة مستأنفة؛ أي: وقد انتهى الأمر، ولا عذر لهم بعد ذلك، ولا حجة لهم؛ و {الأمر} بمعنى الشأن؛ أي قضي شأن الخلائق، وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة؛ ولهذا قال بعده: {وإلى الله ترجع الأمور}.
قوله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ} [البقرة: ٢١٠]، يعني: " وإلى الله يؤول القضاء بين خلقه يوم القيامة" (١).
قال الواحدي: " أي: في الخير من الثواب والعقاب، وذلك أن العباد في الدنيا لا يجازون على أعمالهم، ثم إليه يصيرون، فيعذب من يشاء، ويرحم من يشاء" (٢).
قال الصابوني: أي" وإلي الله وحده مرجع الناس جميعاً" (٣).
قال الراغب: " أي ما قد ملكه عباده في الدنيا من الملك، والملك والتصرف مسترد منهم يوم القيامة، وراجع إليه، ويقال: رجع الأمر إلى الأمير، أي استرد ما كان فوضه إليه، وقيل: عنى بالأمور الأرواح، وسماها أموراً من حيث إنها من الإبدعات المشار إليها بقوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} وقال: ولهذا لما سئل سكان الروح قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}، أي هو من الإبداع الذي لا يمكن للبشر تصوره، فنبه أن الأرواح كلها مرجوعة إليه وراجعة، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}، وعلى ذلك قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}، ويكون رجوعها إنما بربح وغبطة، وإما بندامة وحسرة إلى أن ينشئها النشأة الأخرى على ما قضاه تعالى" (٤).
وقد اختلفت القراءة في قوله {تُرْجَعُ} [البقرة: ٢١٠]، على ثلاثة أوجه (٥):
أحدها: {تَرْجِعُ}، بفتح التاء، وكسر الجيم. قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، أي تصير، كقوله تعالى: {ألا إلى الله تصير الامور} (الشورى: ٥٣) وقوله: {إن إلينا إيابهم * وإلى الله * مرجعكم} [هود: ٤، المائدة: ٤٨، الغاشية: ٢٥].
والثاني: {تُرْجَعُ} بضم التاء، وفتح الجيم. وهي قراءة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، والمتعلِّق هنا مقدم على المتعَلَّق به؛ لأن {إلى الله} متعلق بـ {ترجع}، على معنى ترد، يقال: رجعته أي رددته، قال تعالى: {ولئن رجعت إلى ربى} [فصلت: ٥٠] وفي موضع آخر: {ولئن رددت إلى ربى} [الكهف: ٣٦] وفي موضع آخر: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق} [الأنعام: ٦٢] وقال تعالى: {رب ارجعون * لعلى أعمل صالحا} [المؤمنون: ٩٩ ـ ١٠٠] أي ردني.
قال القفال رحمه الله: "والمعنى في القراءتين متقارب، لأنها ترجع إليه جل جلاله، وهو جل جلاله يرجعها إلى نفسه بافناء الدنيا وإقامة القيامة" (٦).
والثالث: {تُرْجَعُ} بالتأنيث لجريان جمعِ التكسير مَجْرى المؤنث، وهي قراءة الجمهور، إلاَّ أنَّ حمزةَ والكسائي ونافعاً قرؤوا ببنائِه للفاعل، والباقون ببنائِه للمفعول، و (رجع) يُستعمل متعدياً تارةً ولازماً أخرى، وقال تعالى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ} فجاءت القراءتان على ذلك، وقد سُمِع في المتعدي (أرجع) رباعياً وهي لغةٌ ضعيفة، ولذلك أَبَت العلماءُ أن تَجْعَل قراءَة مَنْ بناه للمفعول مأخوذةً منها.
(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٩.
(٢) التفسير البسيط: ٤/ ١٠٠.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٣٧٠.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٣٥.
(٥) انظر: السبعة: ١٨١، ومفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٢، والدر المصون: ٣/ ٣٤٢.
(٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٢.