للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والرابع: {يُرْجَعُ} بالتذكير وببنائه للمفعول، قرأ بها خارجة عن نافع، لأن تأنيثه مجازي، والفاعلُ المحذوفُ في قراءةِ مَنْ بناه للمفعول: إمَّا اللهُ تعالى، أي: يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار، وإمَّا ذوو الأمور؛ لأنه لَمَّا كانت ذواتُهم وأحوالُهم شاهدةً عليهم بأنهم مَرْبوبون مَجْزِيُّون بأعمالهم كانوا رادِّين أمورَهم إلى خالقها.

وإنما أدخل جل وعزّ " (الألف واللام) في {الأمور}، لأنه جل ثناؤه عنى بها جميع الأمور، ولم يعن بها بعضًا دون بعض، فكان ذلك بمعنى قول القائل: " يعجبني العسل - والبغل أقوى من الحمار "، فيدخل فيه " الألف واللام "، لأنه لم يُقصد به قصد بعض دون بعض، إنما يراد به العموم والجمع (١).

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لقوله تعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ... } إلخ.

٢ - ومنها: أن الله تعالى لا يعذب هذه الأمة بعذاب عام؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين يوم القيامة؛ ويدل لذلك آيات، وأحاديث؛ منها قول الله - تبارك وتعالى -: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: ٤٦]، وقوله (ص): «أنه سأل ربه أن لا يهلك أمته بسنة عامة فأجابه» (٢).

٣ - وأما عقيدة السلف في الصفات: فقد ذكرنا، بأنها: "تمر كما جاءت بلا كيف وعن بعضهم: "قراءته تفسيره". والله تعالى أعلم.

٤ - ومن فوائد الآية: إثبات الملائكة.

٥ - ومنها: إثبات عظمة الله عزّ وجلّ في قوله تعالى: {في ظلل من الغمام}؛ فـ {ظلل} نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة، وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان: {ويوم تشقق السماء بالغمام} [الفرقان: ٢٥] يعني تثور ثوراناً بهذا الغمام العظيم من كل جانب؛ كل هذا مقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى؛ وهذا يفيد عظمة الباري سبحانه وتعالى.

٦ - ومنها: أن الملائكة أجسام خلافاً لمن زعم أن الملائكة قوى الخير، وأنهم أرواح بلا أجسام؛ والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير.

٧ - ومنها: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء؛ فليس بعده شيء؛ إما إلى الجنة؛ وإما إلى النار؛ فلا أمل أن يستعتب الإنسان إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة؛ لكنه أتى بصيغة ما لم يسم فاعله لعظمة هذا الأمر؛ وهذا كقوله تعالى: {وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين} [هود: ٤٤].

٨ - ومنها: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: {وإلى الله ترجع الأمور} أي الأمور الكونية، والشرعية؛ قال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: ٤٠]؛ فالأمور كلها مرجعها إلى الله - تبارك وتعالى -؛ وما ثبت فيه أنه يرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله؛ فالحكم بين الناس مرجعه القضاة؛ لكن كان القضاة مرجعاً للناس بإذن الله تعالى.

٩ - ومنها: إثبات الأفعال الاختيارية لله - أي أنه يحدث من أفعاله ما شاء -؛ لقوله تعالى: {إلا أن يأتيهم الله}؛ وهذا مذهب السلف الصالح خلافاً لأهل التحريف والتعطيل الذين ينكرون هذا النوع، ويحرفونه إلى معان قديمة لمنعهم قيام الأفعال الاختيارية بالله عزّ وجلّ؛ ومذهبهم باطل بالسمع، والعقل؛ فالنصوص المثبتة لذلك لا تكاد تحصى؛ والعقل يقتضي كمال من يفعل ما يشاء متى شاء، وكيف شاء.

١٠ - ومن فوائد الآية: عظمة الله، وتمام سلطانه، وملكه؛ لقوله تعالى: {وإلى الله ترجع الأمور}.


(١) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٧٠.
(٢) أخرجه مسلم ص ١١٧٨/ كتاب الفتن، باب ٥: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم ٧٢٥٨ [١٩] ٢٨٨٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>