للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما سِرتُ مِيلًا ولا جَاوَزْتُ مَرْحَلةً ... إلا وذكركِ يَلْوِيْ دايبًا عُنُقِيْ

هذا الذي ذكرنا هو الأصل في اللغة (١).

ثم يجوز أن يعني بالنظر: الرؤية؛ لأن تقليب البصر نحو المُبْصَر تتبعه الرؤية، وقد يجري على الشيء لفظ ما يتبعه ويقترن به، كقولهم للفِنَاء: عَذِرَة، ولذي بطن الإنسان: غائط (٢).

والنظر فعل يستعمل على ضروب من المعاني، كلها يرجع إلى أصل واحد، وهي طلب الإدراك، فمن تلك المعاني (٣):

أولا: النظر، بمعنى: الانتظار، كقوله تعالى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب: ٥٣] أي: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، والمنتظر يطلب إدراك ما يتوقع، يقال: نظرته وانتظرته، ومنه قوله: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: ٣٥]، وقال الحطيئة (٤):

وقد نَظَرْتُكُم إينَاءَ صادرة ... للوِردِ طال بها حَوزي وتَنْساسي

والناظرُ إلى الشيء يطلبُ إدراك ما يلتمس ببصره، والنظر بالفكر إدراك المعاني.

ثانيا: التَّعَطُّفِ والرَّحْمَة، كقوله: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَالْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: ٧٧]. ذلك أن الرحمةَ تتبع النظر، فإن الواحدَ منا إذا نظر إلى حال إنسان فرآه في بليةٍ أو شدةٍ رَحِمَهُ، ولو لم ينظر إليه لم تداخله الرحمة، هذا هو الأصل، ثم جعل الرحمة نظرًا.

ثالثا: الاعتبار والتأمل والتدبر، وهو فعل غير متعد، فمن ذلك قوله: {انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} [الفرقان: ٩] {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [النساء: ٥٠] {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [الإسراء: ٢١] وقد يتعدى هذا بالجار، كقوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: ١٨٥]. وقوله: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية: ١٧]. وقوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ} [ق: ٦].

رابعا: والنظر يكون بمعنى المقابلة، تقول العرب: الجبل ينظر إليك أي: يقابلك، وذلك أن الأكثر في باب النظر أن الناظر ينظر فيما يقابله، فلما كان الأكثر في هذا الباب المقابلة سميت المقابلة نظرًا.

و(الظُّلَّة): "ما يُسْتَظَلُّ به من الشمس، ويسمى السحابُ ظَلَّةً لأنه يُسْتَظَل بها، ومنه قوله: {عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} [الشعراء: ١٨٩]، أراد: غيمًا تحته سموم" (٥).

و(الظلل من الغمام): "عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم، فكل قطعة ظلة، والجمع ظلل، قال تعالى: {شكور وإذا غشيهم موج كالظلل} (لقمان: ٣٢) وقرأ بعضهم: {إلا أن يأتيهم الله في ظلال من الغمام} فيحتمل أن يكون الظلال جمع ظلة، كقلال وقلة، وأن يكون جمع ظل" (٦).

قال الزمخشري: " فإن قلت: لِمَ يأتيهم العذاب في الغمام؟ قلت: لأنّ الغمام مظنة الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسرّ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير، ولذلك كانت الصاعقة من


(١) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وتهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، "المفردات" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، "اللسان" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، "البحر المحيط" ٢/ ١٢٤.
(٢) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٩٣ - ٩٤، وتهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، "المفردات" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، "اللسان" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، "البحر المحيط" ٢/ ١٢٤.
(٣) انظر: في معاني النظر "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٦٠٣ - ٣٦٠٦، "المفردات" ص ٤٩٩ - ٥٠٠، "اللسان" ٧/ ٤٤٦٥ - ٤٤٦٨ (نظر)، والتفسير البشيط: ٤/ ٩٥ - ٩٦.
(٤) البيت للحطيئة كما في "اللسان" ٧/ ٤٤٦٦ (نظر).
(٥) التفسير البسيط: ٤/ ٩٦. وانظر: تهذيب اللغة" ٣/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤٨ (ظل)، "تفسير الثعلبي" ٢/ ١٢٨، "المفردات" ٣١٧، "المحرر الوجيز" ٢/ ٢٠٠، "اللسان" ٥/ ٢٧٥٣ - ٢٧٥٦ (ظلل).
(٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>