للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث. ومن ثمة اشتد على المتفكرين في كتاب اللَّه قوله تعالى: {وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} " (١).

قال الواحدي: " فإن قيل: إنهم لا ينتظرون العذاب، ولو انتظروا العذاب لدخلوا في السلم كافة؟ قيل: انتظارهم العذاب يكون في الآخرة، يوم القيامة يعلمون أنهم لا ثواب لهم فلا ينتظرون إلا العذاب، أو نقول: قد ذكرنا أن هذا استفهام معناه النفي، بمعنى: ما ينتظرون، ويكون هذا خبرا بمعنى النهي، أي: لا تنتظروا بعد تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا العذاب" (٢).

وقرئ: (ظلال) وهي جمع ظلة، كقلة وقلال أو جمع ظل (٣).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: ٢١٠]، على وجهين (٤):

أحدهما: {وَالْمَلَائِكَةُ}، بالرفع عطفاً على لفظ الجلالة، "وفي قراءة عبدالله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ والملائكة فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} " (٥).

يعني: "وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم، كما قال الله تعالى: {كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً * وجاء ربك والملك صفاً صفاً} [الفجر: ٢١، ٢٢]؛ وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير، وغيره (٦) أن السماء تشقق؛ فتشقق السماء الدنيا بالغمام، وتنزل الملائكة، فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة ... ؛ كل من وراء الآخر؛ ولهذا قال تعالى: {صفاً صفاً} [الفجر: ٢٢] يعني صفاً بعد صف؛ ثم يأتي الرب عزّ وجلّ للقضاء بين عباده؛ ذلك الإتيان الذي يليق بعظمته وجلاله؛ ولا أحد يحيط علماً بكيفيته؛ لقوله تعالى: {ولا يحيطون به علماً} [طه: ١١٠] " (٧).

قال أبو العالية: " تأتي الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتي الله عزّ وجل فيما شاء" (٨).

قال أبو جعفر الرازي: "وهي في بعض القراءة: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام}، كقوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنَزَّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} [الفرقان: ٢٥] " (٩).

والثاني: {وَالْمَلَائِكَةِ}، بالجر عطفا على {ظُلَل} أو على {الْغَمَامِ}.

والمعنى: "هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام وفي الملائكة" (١٠).

والصواب بالرفع، "عطفًا بها على اسم الله تبارك وتعالى، على معنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وإلا أن تأتيهم الملائكة، على ما روي عن أبيّ بن كعب، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر في غير موضع من كتابه أن الملائكة تأتيهم، فقال جل ثناؤه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:


(١) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) التفسير البسيط: ٤/ ٩٧.
(٣) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١، وتفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣، وتفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥.
(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥.
(٦) راجع تفسير الطبري ٢٤/ ٤١٨ – ٤٢٠، تفرد به إسماعيل بن رافع، وقد اختلف فيه (ذكره ابن كثير في تفسيره سورة الأنعام ٢/ ٢٣٩)؛ قال الحافظ في التقريب: "ضعيف الحفظ"؛ وقال الدارقطني وغيره: "متروك الحديث" (ميزان الاعتدال ١/ ٢٢٧)؛ وقال الذهبي: "ومن تلبيس الترمذي قال: ضعفه بعض أهل العلم، قال: وسمعت محمداً – يعني البخاري – يقول: هو ثقة مقارب الحديث" (المرجع السابق)؛ وقال البخاري في التاريخ الكبير: "محمد بن يزيد بن أبي زياد روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل، ولم يصح" ١/ ٢٦٠، رقم ٨٢٩)؛ وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٣٤، تفسير سورة الأنعام آية رقم ٧٣): "وروينا حديث الصور بطوله من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه المطولات ... "؛ وقال أيضاً (٢/ ٢٣٩): "وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جداً، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعلها سياقاً واحداً، فأنكر عليه بسبب ذلك".
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٣.
(٨) تفسير الطبري (٤٠٣٢): س ٤/ ٢٦١.
(٩) تفسير الطبري (٤٠٣٣): ص ٤/ ٢٦١.
(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>