للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظُلَل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه. وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.

قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: ٢١٠]، "أي: ما ينتظرون شيئاً إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق حيث تنشق السماء وينزل الجبار عَزَّ وَجَلَّ في ظلل من الغمام والملائكة" (١).

قال المراغي: " فهل ينتظر المكذبون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم به من الساعة والعذاب في ظلل من الغمام عند خراب العالم وقيام الساعة، وتأتي الملائكة وتنفّذ ما قضاه الله يومئذ" (٢).

قال الواحدي: " هل ينتظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان إلا العذاب يوم القيامة، يريد: أنه لا ثواب لهم، فلا ينتظرون إلا العذاب" (٣).

قال الشوكاني: أي: "إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل من الغمام والملائكة" (٤).

قال الزمخشري "إتيان اللَّه إتيان أمره وبأسه كقوله: {َوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}

، {جاءَهُمْ بَأْسُنا} ويجوز أن يكون المأتى به محذوفا، بمعنى أن يأتيهم اللَّه ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} " (٥).

قال النسفي: " أي أمر الله وبأسه كقوله: {أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: ٣٣] [النحل: ٣٣]، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} [الأعراف: ٤] [الأعراف: ٤]، أو المأتي به محذوف بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه للدلالة عليه بقوله: {فاعلموا أن الله عزيز} " (٦).

قال ابن عثيمين: أي يأتيهم الله نفسه؛ هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه؛ ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله" (٧).

وقوله: {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، والنظر عند أهل اللغة: الطلب لإدراك الشيء، وتقليب العين نحو الجهة التي فيها المرئي المراد رؤيته، مما يدل على ذلك قولُ ذي الرُّمَّةِ (٨):

فيامَيّ هل يُجْزَى بُكائِي بمِثْلِه ... مرارًا وأنْفاسِي إليك الزَّوافِرُ

وإني متى أشْرِف على الجَانِبِ الذي ... به أنتِ من بَينِ الجَوانِبِ ناظِرُ

فلو كان النظرُ الرؤيةَ لم يطلب عليه الجزاء، أي: المحب لا يستثيب من النظر إلى محبوبه شيئًا، بل يريد ذلك ويتمناه، ويدل على ذلك قول الآخر (٩):

ونظْرَة ذي شِجَنٍ وأَمْنٍ ... إذا ما الرَّكَائِبُ جاوَزْنَ مِيلًا

هذا على التوجه إلى الناحية التي المحبوبُ فيها، وتقليب البصر نحوها، وما يعالج من التلفت والتقلب، كقول الآخر (١٠):


(١) صفوة التفاسير: ١/ ١٢٠.
(٢) تفسير المراغي: ٢/ ١١٦.
(٣) التفسير البسيط" ٤/ ٩٦ - ٩٧.
(٤) فتح القدير: ١/ ٢١١.
(٥) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥٣.
(٦) تفسير النسفي: ١/ ١١٤.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٢.
(٨) ديوانه: ٢٣٣، من قصيدة يمدح فيها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
(٩) البيت في "المفضليات" ١/ ٥٦ ولم ينسبه. وقوله وأمن كذا في المخطوطة وفي "المفضليات": (وامق) ولعلها أصوب.
(١٠) البيت في "الحلة السيراء" ١/ ٩٤، وفي "محاضرات الأدباء" ٢/ ٧٣. ولم أهتد لقائله ..

<<  <  ج: ص:  >  >>