قال القرطبي: " {عَزِيزٌ} لا يمتنع عليه ما يريده. {حَكِيمٌ} فيما يفعله" (١).
وقوله: {فَاعْلَمُوا} نهاية في الوعيد؛ لأنه يجمع من ضروب الخوف ما لا يجمعه الوعيد بذكر العقاب، وربما قال الوالد لولده: إن عصيتني فأنت عارف بي وأنت تعلم قدرتي عليك وشدة سطوتي. فيكون هذا الكلام - في الزجر - أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فظهر تسبب الجزاء في الآية بما أشعر به من الزجر والتهديد على الشرط المشير إلى ذنبهم وجرمهم (٢).
وذكر أهل العلم أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ (٣):
أحدها: عزة قدْر: أي أنه عزّ وجلّ عظيم القدر -؛ لقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ... } [الزمر: ٦٧] الآية.
والثاني: عزة قهر: فمعناها الغلبة - أي أنه سبحانه وتعالى غالب لا يغلبه شيء -؛ وهذا أظهر معانيها.
والثالث: عزة امتناع: ومعناها أنه يمتنع أن يناله السوء - مأخوذ من قولهم: (أرض عزاز) أي قوية صلبة لا تؤثر فيها الأقدام.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه؛ لقوله تعالى: {فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات}؛ فإن قيل: من أين يأتي الوعيد؟ قلنا: من قوله تعالى: {فاعلموا أن الله عزيز حكيم}؛ لأن من معاني «العزة» الغلبة، والقهر؛ و «الحكمة»: تنزيل الشيء في مواضعه؛ فإذا كان هناك غلبة وحكمة، فالمعنى: أنه سينزِّل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته.
٢ - ومنها: أن الله تعالى أقام البينات بالعباد؛ لقوله تعالى: {من بعد ما جاءتكم البينات}.
٣ - ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان، ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة؛ لقوله تعالى: {من بعد ما جاءتكم البينات}؛ ولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة.
٤ - وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع (٤).
٥ - ومنها: وجوب الإيمان بأسماء الله، وما تضمنته من صفات؛ لقوله تعالى: {فاعلموا} علم اعتراف، وإقرار، وقبول، وإذعان؛ فمجرد العلم لا يكفي؛ ولهذا فإن أبا طالب كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق، وأنه رسول الله؛ لكنه لم يقبل، ولم يذعن؛ فلهذا لم ينفعه إقراره؛ فالإيمان ليس مجرد اعتراف بدون قبول وإذعان.
٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله - وهما «العزيز»، و «الحكيم» -؛ وإثبات ما تضمناه من صفة - وهي العزة، والحُكم، والحكمة.
القرآن
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)} [البقرة: ٢١٠]
التفسير:
(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.
(٢) محاسن التأويل: ٢/ ٧٥.
(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ١٠.
(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٤.