قال الطبري:" وجه دُعائه إلى ذلك الأمرُ له بالعمل بجميع شرائعه، وإقامة جميع أحكامه وحدوده، دون تضييع بعضه والعمل ببعضه، وإذا كان ذلك معناه، كان قوله {كافة} من صفة {السلم}، ويكون تأويله: ادخلوا في العمل بجميع معاني السلم، ولا تضيعوا شيئًا منه يا أهل الإيمان بمحمد وما جاء به"(١).
والثاني: أنها نزلت في أهل الكتاب، آمنوا بمن سلف من الأنبياء، فأُمِروا بالدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس (٢)، والضحاك (٣).
والثالث: أنها نزلت نزلت في ثعلبة، وعبد الله بن سلام وابن يامين وأسد وأسَيْد ابني كعب وسَعْيَة بن عمرو وقيس بن زيد - كلهم من يهود. وهو قول عكرمة (٤).
والصواب أن الله جل ثناؤه أمر الذين آمنوا بالدخول في العمل بشرائع الإسلام كلها، وقد يدخل في {الذين آمنوا} المصدِّقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما حاء به، والمصدقون بمن قبله من الأنبياء والرسل، وما جاءوا به، وقد دعا الله عز وجل كلا الفريقين إلى العمل بشرائع الإسلام وحدوده، والمحافظة على فرائضه التي فرضها، ونهاهم عن تضييع شيء من ذلك، فالآية عامة لكل من شمله اسم " الإيمان "، فلا وجه لخصوص بعض بها دون بعض (٥).
وقد روي عن مجاهد في قول الله عز وجل:" ادخلوا في السلم كافة "، قال: ادخلوا في الإسلام كافة، ادخلوا في الأعمال كافة" (٦).
وفي قوله تعالى:{كَافَّةً}[البقرة: ٢٠٨]، تأويلان (٧):
أحدهما: عائد إلى الذين آمنوا، أن يدخلوا جميعاً في السلم. وتكون {كافة} حالاً من الواو في قوله تعالى: {ادخلوا}، وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).
والثاني: عائد إلى السلم أن يدخلوا في جميعه. فتكون {كافة} حالاً من {السلم}. وهو أحد قولي مجاهد (١٥).
والأقرب-والله أعلم-: المعنى الأول؛ "لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام؛ وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان؛ فالمعنى الأول هو الصواب أن {كافة} حال من {السلم} يعني ادخلوا في الإسلام كله؛ أي نفذوا أحكام الإسلام جميعاً، ولا تدعوا شيئاً من شعائره، ولا تفرطوا في شيء منها؛ وهذا مقتضى الإيمان؛ فإن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع شرائع الإسلام" (١٦).
(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٥. (٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٧): ص ٤/ ٢٥٦، وتفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٥): ص ٢/ ٣٧٠. (٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٨): ص ٤/ ٢٥٦. (٤) تفسير الطبري (٤٠١٦): ص ٤/ ٢٥٥. (٥) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨. (٦) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٩): ص ٤/ ٢٥٧. (٧) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧. (٨) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٠): ص ٤/ ٢٥٧. (٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢١): ص ٤/ ٢٥٧. (١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٢): ص ٤/ ٢٥٧. (١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٣): ص ٤/ ٢٥٧. (١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٤): ص ٤/ ٢٥٧. (١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٥): ص ٤/ ٢٥٨. (١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٦): ص ٤/ ٢٥٨. (١٥) انظر: تفسير الطبري (٤٠١٩): ص ٤/ ٢٥٧. (١٦) تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٥ - ٦ ..