أحدهما: يجوز أن يكون لغة في (السّلم) الذي يعنى به الإسلام.
والثاني: ويجوز أن يريدوا بفتحهم الأول من قوله: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ}: الصلح، وهو يريد الإسلام، لأن الإسلام صلح، ألا ترى أن القتال والحرب بين أهله موضوع، وأنهم أهل اعتقاد واحد، ويد واحدة في نصرة بعضهم لبعض، فإذا كان ذلك موضوعاً بينهم، وفي دينهم، وغلّظ على المسلمين في المسايفة بينهم؛ كان صلحاً في المعنى، فكأنه قيل: ادخلوا في الصلح، والمراد به الإسلام" (١).
والقراءة الثانية: وقرأته عامة قرأة الكوفيين بكسر (السين)، وهم مختلفون في تفسيره على قولين:
أحدهما: توجيهه إلى الإسلام، بمعنى ادخلوا في الإسلام كافة.
والثاني: توجيهه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا في الصلح، ويستشهد على أن " (السين) تكسر، وهي بمعنى الصلح بقول زهير ابن أبي سلمى (٢):
وَقَدْ قُلْتُمَا إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأمْرِ نَسْلَمِ
وقال الجوهري: "والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم" (٣)، ومنه قول الشاعر (٤):
أنائل إنني سلم ... لأهلك فاقبلي سلمي
والقراءة الأوْلى بالصواب من قرأ بكسر (السين)، لأن ذلك إذا قرئ كذلك - وإن كان قد يحتمل معنى الصلح - فإن معنى الإسلام: ودوام الأمر الصالح عند العرب، أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة (٥). والله أعلم.
قال الرازي: "أصل هذه الكلمة من الانقياد، قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: ١٣١]، والإسلام إنما سمي إسلاماً لهذا المعنى. وغلب اسلم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى، لأن عند الصلح ينقاد كل واحد لصاحبه ولا ينازعه فيه (٦).
وقد اختلف أهل العلم في أي الفريقين دعى إلى الإسلام كافة، وفيه أقوال (٧):
أحدها: أن المأمور بها المسلمون، والدخول في السلم العمل بشرائع الإسلام كلها، وهو قول وهذا قول قتادة (٨)، والسدي (٩) والربيع (١٠) ومجاهد (١١) ابن عباس (١٢) وابن زيد (١٣)، والضحاك (١٤).
(١) الحجة: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣. [بتصرف بسيط].
(٢) ديوانه: ١٦ من معلقته النبيلة. والضمير في " قلتما " للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله: " واسعًا " أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.
(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣، وانظر: الحجة: ٢/ ٢٩٤، واللسان (سلم)، وإعراب القرآن للنحاس: ١/ ١٠٥.
(٤) البيت لمسعدة بن البختري يقوله في نائلة بنت عمر بن يزيد الأسيدي وكان يهواها. انظر الأغاني ١٣/ ٢٧١ وتفسير أسماء الله الحسنى للزجاج/ ٤٣ واللسان/ سلم/ وضبطت سلم فيه بكسر السين وتسكين اللام.
(٥) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٦) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٥٢.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٥ - وما بعدها.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٠): ص ٤/ ٢٥٧.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢١): ص ٤/ ٢٥٧.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٢): ص ٤/ ٢٥٧.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٣): ص ٤/ ٢٥٧.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٤): ص ٤/ ٢٥٧.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٥): ص ٤/ ٢٥٨.
(١٤) انظر: تفسير الطبري (٤٠٢٦): ص ٤/ ٢٥٨.