والخامس: في أنواع البر كلها. قاله مجاهد (١)، والثوري (٢).
قلت: فالسلم هنا بمعنى الإسلام، ورجحه الطبري كذلك (٣)، وقد ورد في الشعر العربي بأن السلم تعني الإسلام، ومنه قول الشاعر الكندي (٤):
دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ لَمّا ... رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرينَا
أي: "دعوتهم للإسلام لما ارتدُّوا، وكان ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث (٥)، بعد وَفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم" (٦).
قال الراغب: " عنى بالسلم سلم العبد الله - عز وجل، وذلك أن الإنسان في كفره، وكفران نعمة الله كالمحارب له، ولهذا يسمى الكافر المحارب في نحو قوله: {الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وسلم العباد لله على ثلاثة أضرب:
ضرب يتقدمه إلى الإيمان: وهو الإسلام الذي سلم به من الله أن يراق دمه ويسلب ماله وهو المعني بقوله- عليه السلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " (٧).
واثنان بعد الإيمان: أحدهما أن يسلم من سخطه بارتسام أوامره وزواجره طوعاً أو كرهاً، والثاني: أن يكون سليماً من الشيطان وأوليائه، وسليماً فيما يجري من قضائه، وبه يحصل [دار السلام المذكورة في قوله تعالى]: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} وهذا غاية ما ينتهي إليه للعبد من المنازل الثلاث وإن كان لكل منزلة منها درجات، وهذا السلم هو المغني بقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}، وهو الذي تمناه يوسف عليه السلام- بقوله: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} " (٨).
وفي قوله تعالى: {السِّلْمِ} [البقرة: ٢٠٨]، قراءتان (٩):
إحداهما: {ادخلوا في السَّلم} بفتح السين. قرأ بها ابن كثير ونافع والكسائي، وهي قراءة عامة قراء أهل الحجاز.
وهؤلاء وجهوا تأويلها إلى المسالمة، بمعنى: ادخلوا في الصلح والمساومة وترك الحرب وإعطاء الجزية.
وقال أبو علي: " قول ابن كثير ونافع والكسائي: {أدْخُلُوا فِي السِّلْمِ} [البقرة/ ٢٠٨] يحتمل أمرين:
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٩٤٨): ص ٢/ ٣٧٠.
(٢) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٧.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٣. إذ قال: " وأولى التأويلات بقوله: " ادخلوا في السلم "، قول من قال: معناه: ادخلوا في الإسلام كافة".
(٤) ديوانه: ١٦ من معلقته النبيلة. والضمير في " قلتما " للساعيان في الصلح وهما الحارث ابن عوف وهرم بن سنان، وذلك في حرب عبس وذبيان. وقوله: " واسعًا " أي: قد استقر الأمرواطمأنت النفوس فاتسع للناس فيه ما لا يتسع لهم في زمن الحرب. وكان الحارث وهرم قد حملا الحمالة في أموالهما، ليصطلح الناس.
(٥) هو الأشعث بن قيس الكندين وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة في سبعين راكبا من كندة ثم ارتد فيمن ارتد من العرب. وقاتل في الردة حتى هزم ثم استسلم وأسر وقدموا به على أبي بكر فقال له أبو بكر: ماذا تراني أصنع بك؟ فإنك قد فعلت ما علمت قال الأشعث: تمن علي فتفكني من الحديد وتزوجني أختك فإني قد راجعت وأسلمت. فقال أبو بكر: قد فعلت! فزوجه ام فروة بنت أبي قحافة، فكان بالمدينة حتى فتح العراق. ثم شهد الفتوح حتى مات سنة ٤٠، وله ثلاث وستون سنة.
(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٤.
(٧) صحيح البخاري برقم (٢٥) وصحيح مسلم برقم (٢٢). وفي الصحيحين: "أمرْتُ أنْ أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
(٨) تفسير الراغب: ١/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٢ - ٢٥٣، والسبعة: ١٨٠ - ١٨١، والحجة: ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.