وَشَرَيْتُ بُرْداً ليتني ... من بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ
قال ابن منظرو: " وشريت أي بعت" (١).
أما (اشترى) فهي بمعنى ابتاع؛ فإذا جاءت التاء فهي للمشتري الآخذ؛ وإذا حذفت التاء فهي للبائع المعطي؛ و {نَفْسَهُ} يعني ذاته.
قال الفراء: " وللعرب في (شروا) و (اشتروا) مذهبان، فالأكثر منهما: أن شروا: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا" (٢).
قال الراغب: " الشراء والبيع يتلازمان، فالمشتري دافع الثمن وآخذ المثمن، والبائع دافع المثمن وآخذ الثمن، هذا إذا كانت المبايعة والمشاراة بناض وسلعة، فأما إذا كانت بيع سلعة بسلعة صح أن يتصور كل واحد منهما في موضع الآخر، وشريت بمعنى: بعت أكثر، وابتعت بمعنى: اشتريت أكثر، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} " (٣).
و{مرضات الله}: "أي رضوانه أي يبيع نفسه في طلب رضا الله عزّ وجلّ -؛ فيكون قد باع نفسه مخلصاً لله في هذا البيع" (٤).
والكسائي: يميل {مرضاة الله}، كل القرآن (٥)، "ليدل على أن (الألف) فيها منقلبة عن (الباء)، ولم يمنعها المستعلي وهو (الضاد) من الإمالة، كما لم يمنع من إمالة نحو: صار وخاف وطاب" (٦).
وكان حمزة (٧) يقف على {مرضات} بالتاء، والباقون يقفون عليها بالهاء (٨)، "وحجته ما حكاه سيبويه (٩) عن أبي الخطاب (١٠)، أنه كان يقول: طَلْحَتْ، ومنه قول الشاعر (١١):
ما بَالُ عَيْني عن كَرَاها قد جَفَتْ ... مُسْبِلَةً تَسْتَنّ لَمّا عَرَفَتْ
دارًا لِسَلْمى بعد حَوْلٍ قَدْ عَفَتْ ... بل جَوْزِ تَيْهَاءَ كَظَهْر الْجَحَفَتْ
وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد (١٢).
ويدل على حُجةِ قراءة حمزة قول الراجز (١٣):
(١) اللسان (برد): ص ٣/ ٨٧، وانظر: (شرى): ص ١٤/ ٤٢٧.
(٢) تهذيب اللغة: ٢/ ١٨٦٩، وانظر: اللسان (شرى) ١٤/ ٤٢٨، والمفردات" ص ٢٦٣.
(٣) المفردات: ٢٦٣.
(٤) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.
(٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.
(٦) التفسير البسيط: ٤/ ٨٣، وانظر: الحجة للقراء السبعة: ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠ بمعناه، وحروف الاستعلاء هي حروف التفخيم، وهي سبعة مجموعة في قولك: خص ضغط قظ.
(٧) وحكاه القرطبي عن الكسائي بدل حمزة. وأظنه تصحيف، لان القرطبي نقله عن ابن عططية في المحرر الوجيز: ١/ ٢٨٢، وفيه حمزة، انظر: تفسير القرطبي: ٣/ ٢٢.
(٨) انظر: السبعة: ١٨٠، والحجة: ٢/ ٢٩٩، وفي: التيسير: ص ٦٠، "أن الكسائي وأبا عمرو كانا يقفان على هاء تأنيث رسمت في المصاحف تاء بالهاء، وهو قياس مذهب ابن كثير".
(٩) انظر: الكتاب: ٤/ ١٦٧.
(١٠) أبو الخطاب، هو: عبد الحميد بن عبد المجيد الأخفش الأكبر.
(١١) الرجز لسؤر الذئب، في "شرح شواهد الشافية" ٤/ ٢٠٠ مع اختلاف في الرواية، وينظر: "الخصائص" ١/ ٣٠٤ "المحتسب" ٢/ ٩٢. "لسان العرب" ٢/ ٧٨٧ "جحف". وقوله: تَسْتَنّ، أي: تجري بدمعها، من سننت الماء: إذا أرسلته بغير تفريق، وضعت موضع رب، وجوز وسط، والتيهاء: المفازة التي يتيه فيها سالكها، والجحفة: الترس، شبه التيهاء بظهر الترس في الملامسة.
(١٢) انظر: الحجة: ٢/ ٣٠١، والتفسير البسيط: ٤/ ٨٥، وتفسير القرطبي: ٣/ ٢٢.
(١٣) لم أتعرف على قائله، انظر: اللسان (رهن)، وزعم ابن جني أن هذا الشعر جاهلي، انظر: "المحتسب" ١/ ١٠٨، " الخصائص" ٣/ ٣٢٧، "الحجة للقراء السبعة" ٢/ ٣٠١، ورهنه عنه: جعله رهنًا بدلًا منه.