للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إن عَدِيًا رَكِبَتْ إلى عَدِي ... وجَعَلَتْ أمْوالَها في الحُطَمي

ارْهَنْ بَنِيكَ عَنْهم ارْهَنْ بَنِي

أراد: بنيّ، فحذف ياء الإضافة للوقف، كما يخفف المثقل من نحو: سُرٍّ وضُرٍّ، فلولا أن المضاف إليه المحذوف في تقدير المثبت لرد النون في بنين، فكما لم يَرُدَّ النون في بنين فكذلك لم يقف بالهاء في (مَرْضَاةِ)، لأن المضاف إليه في تقدير الثبات في اللفظ (١).

قوله تعالى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: ٢٠٧]، أي: والله "عظيم الرحمة بالعباد" (٢).

قال سعيد بن جبير: "يعني: يرأف بكم" (٣).

قال العلماء: (الرأفة): " هي أرق الرحمة، وألطفها" (٤).

قال الصابوني: أي: " يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات ولا يعجل العقوبة لمن عصاه (٥).

قال الطبري: " والله ذو رحمة واسعة بعبده الذي يشري نفسه له في جهاد من حادَّه في أمره من أهل الشرك والفُسوق وبغيره من عباده المؤمنين في عاجلهم وآجل معادهم، فينجز لهم الثواب على ما أبلوا في طاعته في الدنيا، ويسكنهم جناته على ما عملوا فيها من مرضاته" (٦).

قال القاسمي: " حيث أرشدهم لما فيه رضاه، وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، مع كفرهم به، وتقصيرهم في أمره " (٧).

قال المراغي: " فيجازيهم على العمل القليل نعيما دائما، ولا يكلفهم إلا ما في وسعهم عمله، ويشترى منهم أموالهم لأنفسهم وهى ملكه تعالى بما لا يعدّ ولا يحصى من رحمته وإحسانه وكرمه، ويرفع هممهم ليبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده، وتقرير الحق والعدل فيهم، ولولا ذلك لغلب شرّ المفسدين في الأرض، فلا يبقى فيها صلاح كما قال تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} " (٨).

وفي قوله تعالى: {رَءُوفٌ} قراءتان (٩):

إحداهما: مد الهمزة على وزن فعول.

والثانية قصرها على وزن فعُل.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول: {ومن الناس من يعجبك قوله} [البقرة: ٢٠٤]؛ والقسم الثاني: {ومن الناس من يشري نفسه}.

٢ - ومنها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور مثاني؛ إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده.

٣ - ومنها: فضل من باع نفسه لله؛ لقوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}.

٤ - ومنها: الإشارة إلى إخلاص النية؛ لقوله تعالى: {ابتغاء مرضات الله}.


(١) انظر: الحجة: ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢، والتفسير البسيط: ٤/ ٨٤ - ٨٥، والدر المصون: ٢/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٩٤٣): ص ٢/ ٣٦٩.
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.
(٥) صفوة التفاسير: ١/ ١١٩.
(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥١.
(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٧٣.
(٨) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢ - ١١٣.
(٩) انظر تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>