وقال المغيرة: "بعث عمر جيشًا فحاصروا أهل حصن، وتقدم رجل من بجيلة، فقاتل، فقُتِل، فأكثر الناس فيه يقولون: ألقى بيده إلى التهلكة! قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: كذبوا، أليس الله عز وجل يقول: " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد "؟ " (١).
والقول الأخير أصح؛ لكونها للعموم حتى لو صح أن سبب نزولها قصة صهيب؛ فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والله أعلم.
واختاره الطبري قائلا: والصواب أن الله "عُنى بها الأمرُ بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جل ثناؤه وصَف صفة فريقين: أحدهما منافقٌ يقول بلسانه خلافَ ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رَامَها، وإذا نُهى أخذته العزّة بالإثمٌ بما هو به إثم، والآخر منهما بائعٌ نفسه، طالب من الله رضا الله. فكان الظاهر من التأويل أن الفريقَ الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه، إنما شراها للوثُوب بالفريق الفاجر طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية، وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صُهيب، فإنّ ذلك غير مستنكرٍ، إذ كان غيرَ مدفوع جوازُ نزول آية من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بسبب من الأسباب، والمعنيُّ بها كلُّ من شمله ظاهرها" (٢).
وقال ابن كثير: " وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: ١١١] " (٣).
قوله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: ٢٠٧]، " أي ومن الناس فريق يبيع نفسه لله لا يبغى ثمنا لها غير مرضاته" (٤).
قال القاسمي: أي: "يبيعها ببذلها في طاعة الله" (٥).
قال الثعلبي: " أي يطلب رضا الله" (٦).
قال الزمخشري: أي: " يبذلها في الجهاد، وقيل: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يقتل" (٧).
قال السيوطي: أي ": يَبْذُل نفسَه في اللَّهِ، وقيل: بل هو على أصلِهِ من الشِّراء وذلك أَنَّ صُهَيْباً اشترى نفسَه من قريشٍ لمَّا هاجَرَ، والآيةُ نَزَلَتْ فيه" (٨).
قال الصابوني: أي" ومن الناس فريق من أهل الخير والصلاح باع نفسه لله، طالبا لمرضاته ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله" (٩).
ومعنى (يَشْري): يَبيع، وأصله: الاستبدال، قال الله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: ٢٠]، أي: باعوه (١٠)، وقال الشاعر (١١):
(١) تفسير الطبري (٤٠٠٤): ص ٤/ ٢٤٩.
وذكر الطبري أخبارا أخرى تؤكد بأن المعنيين في الآية: هم كل من شار نفسه في طاعة الله ووجهاد في سبيله، انظر: تفسيره (٤٠٠٣)، و (٤٠٠٥)، و (٤٠٠٦)، و (٤٠٠٧): ص ٤/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٥.
(٤) تفسير المراغي: ٢/ ١١٢,
(٥) محاسن التأويل: ٢/ ٧٣.
(٦) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٢٤.
(٧) تفسير الكشاف: ١/ ٢٥١.
(٨) الدر المصون: ٢/ ٣٣٥.
(٩) صفوة التفاسير: ١/ ٣٦٧ - ٣٦٨.
(١٠) انظر: التفسير البسيط: ٤/ ٨٢، و "معاني القرآن" للأخفش ١/ ١٦، "الأضداد" للأصمعي ١٨، ١٩، "أضداد ابن السكيت" ١٨٥، "تهذيب اللغة" ٢/ ١٨٦٩.
(١١) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري، انظر: اللسان (برد): ص ٣/ ٨٧، و (شرى): ص ١٤/ ٤٢٧.