والخامس: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب.
والسادس: أنه سُمِّيَ بذلك لعلو الناس فيه، والعرب تسمي ما علا (عرفة) و (عرفات)، ومنه سُمِّيَ عُرف الديك لعلوه، ومنه: أهل الأعراف، كما قال تعالى: {ونادى أصحاب الأعراف رجالاً} [الأعراف: ٤٨].
والصواب - والله أعلم - أن هذا القول الأخير أقرب الأقوال؛ وكذلك القول: أنه سمي عرفات؛ لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أعرف الأماكن التي حوله.
و{عَرَفَاتٍ} مشعر حلال خارج الحرم؛ ومع ذلك فهو الحج، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة" (١)؛ والحكمة من الوقوف فيها أن يجمع الحاج في نسكه بين الحل والحرم؛ ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تحرم بالعمرة من التنعيم (٢)؛ لتجمع فيها بين الحل والحرم" (٣).
وفي تنوين {عَرَفَات} [البقرة: ١٩٨]، ثلاثة أوجه (٤):
أحدها: قراءة الجماعة {عَرَفَاتٍ} بالتنوين.
قال النحاس: " لأن التنوين ليس فرقا بين ما ينصرف وما لا ينصرف فتحذفه وإنما هو بمنزلة النون في مسلمين هذا الجيد" (٥).
والثاني: وحكى سيبويه عن العرب، حذف التنوين من {عَرَفَات}، يقوله: هذه عرفات يا هذا، ورأيت عرفات يا هذا، بكسر التاء وبغير تنوين، قال: لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين (٦).
والثالث: وحكى الأخفش والكوفيون فتح التاء، تشبيها بتاء فاطمة وطلحة (٧)، وأنشدوا (٨):
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال
والقول الأول أحسن، وأن التنوين فيه على حده في مسلمات، والكسرة مقابلة الياء في مسلمين، والتنوين مقابل النون (٩).
وتسمى عرفات المشعر الحلال، والمشعر الأقصى، وإلال، على وزن (هلال)، ويقال للجبل في وسطها: جَبَلُ الرحمة (١٠). قال أبو طالب في قصيدته المشهورة (١١):
وبالمشعَر الأقصى إذا قصدوا له ... إلال إلى تلك الشِّراج القَوَابل
(١) أخرجه أبو داود ص ١٣٦٧، كتاب المناسك، باب ٦٨: من لم يدرك عرفة، حديث رقم ١٩٤٩، وأخرجه الترمذي ص ١٩٥١، كتاب تفسير القرآن، باب ٢: ومن سورة البقرة، حديث رقم ٢٩٧٥، وأخرجه النسائي ص ٢٢٨٣، كتاب المناسك، باب ٢١١: فمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، حديث رقم ٣٠٤٧، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٦٥٩، كتاب المناسك، باب ٥٧: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، حديث رقم ٣٠١٥، وأخرجه الدارمي ٢/ ٨٢، كتاب المناسك، باب ٥٤: بما يتم الحج، حديث رقم ١٨٨٧، وقال الألباني في الإرواء (صحيح)، ٤/ ٢٥٦، حديث رقم ١٠٦٤.
(٢) أخرجه البخاري ص ٢٧، كتاب الحيض، باب ١٥: امتشاط المرأة ... ، حديث رقم ٣١٦؛ وأخرجه مسلم ص ٨٧٦، كتاب الحج، باب ١٧: بيان وجوه الإحرام ... ، حديث رقم ٢٩١٠ [١١١] ١٢١١.
(٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٢.
(٤) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠٩.
(٥) إعراب القرآن: ١/ ١٠٢.
(٦) انظر: إعراب القرآن: ١/ ١٠٢.
(٧) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٧٧.
(٨) البيت لامرئ القيس في ديوانه ص ٣١؛ وخزانة الأدب ١/ ٥٦؛ والدرر ١/ ٨٢؛ ورصف المباني ص ٣٤٥؛ وسر صناعة الإعراب ص ٤٦٧؛ وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١٩؛ وشرح التصريح ١/ ٨٣؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٣٥٩؛ وشرح المفصل ١/ ٤٧؛ والكتاب ٣/ ٢٣٣؛ والمقاصد النحوية ١/ ١٩٦؛ والمقتضب ٣/ ٣٣٣، ٤/ ٣٨؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص ٤٤؛ وشرح المفصل ٩/ ٣٤. تنورتها: تبصرت نارها من بعيد. أذرعات: بلد في أطراف الشام. يثرب: اسم مدينة، وهي التي هاجر إليها الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما بعد، فسميت المدينة المنورة. أدنى: أقرب. نظر عال: أي يحتاج إلى نظر بعيد.
(٩) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٤.
(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٥٢.
(١١) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٤).