للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٨]، "فاذكروا الله بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل عند المشعر الحرام بالمزدلفة" (١).

قال الزمخشري: أي: " بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات، وقيل: بصلاة المغرب والعشاء (٢).

قال الطبري: " يعني بذلك: الصلاة، والدعاء عند المشعر الحرام" (٣).

واختلف في قوله: {الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٨]، على أقوال:

أحدها: أنه مزدلفة. وهو قول الجمهور (٤).

والثاني: أنه جبل يقف عليه الإمام في مزدلفة، يسمى: قزح. قاله جمع من أهل العلم والتفسير (٥).

ويدل لهذا القول حديث جابر-رضي الله عنه- وفيه: "حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ... الحديث" (٦)، ففرق بين مزدلفة والمشعر الحرام.

والأظهر أن المشعر الحرام في الآية مزدلفة لا الجبل بخصوصه، وذلك لسببين:

أحدهما: "لأن الفاء في قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} تدل على أن الذكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات". قاله الرازي (٧).

والثاني: ولأن الذكر مأمور به والأصل في الأمر الوجوب، ولا ذكر واجب سوى الصلاة، ولا يصح حمل الذكر عليها في القول الآخر لأن الوقوف في المشعر إنما يشرع بعد صلاة الفجر (٨).

قال الطبري: " (المشاعر) هي المعالم، من قول القائل: شعرت بهذا الأمر، أي علمت، فـ (المشعر)، هو المعلم، سمي بذلك لأن الصلاة عنده والمقام والمبيت والدعاء، من معالم الحج وفروضه التي أمر الله بها عباده" (٩).

قوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة: ١٩٨]؛ "أي: واذكروه لهدايتكم" (١٠).

قال الصابوني: " أي اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة" (١١).


(١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٦.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٧٥.
(٤) حكى الإجماع على هذا القول: الجصاص في أحكام القرآن: ١/ ٤٢٧ إذ قال: (ولم يختلف أهل العلم أن المشعر الحرام هو المزدلفة)، وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والربيع والحسن وقتادة، انظر: معاني القرآن للنحاس: ١/ ١٣٧ - ١٣٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢١٣، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، تفسير القرآن العظيم لابن كثير: ١/ ٣٠١، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٦ - ٩٧. وقال به: الطبري في جامع البيان: ٤/ ١٧٥، والزجاج في معاني القرآن وإعرابه: ١/ ٢٧٣، والماوردي في النكت والعيون: ١/ ٢٦١، وابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١٢٧، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٢٩، والواحدي في الوسيط: ١/ ٣٠٤، وابن الجوزي في زاد المسير: ١/ ٢١٣، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ١٩٤، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٣٨، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٠١، والرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٩٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٢١، وابن جزيء في التسهيل لعلوم التنزيل: ١/ ١١٥، وغيرهم.
(٥) كالزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٤٨، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٩، وأبي السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٨، والشوكاني في فتح القدير: ١/ ٢١٩، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٠٧.
(٦) رواه مسلم: ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢ رقم: ١٢١٨.
(٧) مفاتيح الغيب: ٥/ ٣٢٨
(٨) انظر: روح المعاني للألوسي: ٢/ ٨٨، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ١٥٦.
(٩) تفسير الطبري: ٤/ ١٧٥.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢٣.
(١١) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>