للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبي: "وأصل الإفاضة: الاندفاع؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: (مفيض)، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي (١):

فقلت لها ردي إليه جنانه ... فردت كما رد المنيح مفيض (٢)

ويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير (٣):

وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله

وحديث مستفيض، أي شائع" (٤).

قال ابن عثيمين: " والتعبير بـ {أفضتم} يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع" (٥).

وفي معنى قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: ١٩٨]؛ ثلاثة أقوال (٦):

أحدها: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء.، والمعنى: إذا دفعتم بكثرة. قاله الزجاج (٧).

والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم. وهذا اختيار الطبري (٨).

والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان.

وفي {عَرَفَاتٍ} [البقرة: ١٩٨]، قولان:

أحدهما: أنها (جمع) عرفة.

والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج (٩).

قال البقاعي: و {عَرَفَاتٍ}، "جمع (عرفة)، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق" (١٠).

واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل (١١):

أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة.

والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. قاله نعيم بن أبي هند (١٢).

والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم.

والرابع: أنه سمي بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. وهذا معنى قول ابن عباس (١٣).


(١) لم أجد هذا البيت في مكان، ومن القصيدة ثلاثة أبيات في الحيوان ٦: ٣٤٣ من هذا الشعر، وهي أبيات جياد. والمنيح: أحد القداح الأربعة التي ليس لها غرم ولا غنم في قداح الميسر، ولكن قد يمنح صاحبه شيئا من الجزور. ولا أتبين معنى البيت حتى أعرف ما قبله، وأعرف الضمائر فيه إلى من تعود.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ١٧٠.
(٣) ديوانه ١٢٤. يمدح حصن بن حذيفة الفزاري.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٤.
(٥) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤٢١.
(٦) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٠٩، والنكت والعيون: ١/ ٢٦٠، والبحر المحيط: ٣/ ٨٣
(٧) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٥.
(٩) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.
(١٠) تفسير البقاعي: ١/ ٢٢٨.
(١١) انظر: النكت والعيون: ١/ ١٦١.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٣٧٩٣): ص ٤/ ١٧٣.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٣٧٩٧): ص ٤/ ١٧٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>