قال ابن عباس: "لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده" (١).
وقرأ ابن عباس: (في مواسم الحج) (٢).
قال ابن حجر: "وهي قراءة معدودة من الشاذ الذي صح إسناده (٣)، وهو حجة (٤)، وليس بقرآن" (٥).
قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: ١٩٨]؛ " أي إذا دفعتم من عرفات بعد الوقوف بها" (٦).
قال البقاعي: أي: "أوقعتم الإفاضة" (٧).
قال الواحدي: " أي: دفعتم بكثرة، يعني دفع بعضكم بعضًا؛ لأن الناس إذا انصرفوا مزدحمين دفع بعضهم بعضًا" (٨).
قال الزجاج: "قد دل بهذا اللفظ على أن الوقوف بها واجب؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف" (٩).
وقال أبو حيان متعقبا هذا القول: "ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب، إنما يعلم منه الحصول في عرفة والوقوف بها، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب، لا دليل في الآية على ذلك، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك" (١٠).
ومعنى (الإفاضة)، في اللغة: "الدَّفْعُ للشَّيءِ حين يَتَفَرَّق. يقال: أفاضت العينُ دَمْعَها، وأفاض بالقداح، وعلى القداح: إذا ضرب بها منبثةً متفرقة، ومنه (١١):
وكأنَّهُن رِبَابَةٌ وكأنَّه ... يَسَر يُفِيْضُ على القِدَاحِ وَيصدَعُ
وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة.
قال الراعي (١٢):
وأَفَضْنَ بعد كُظُومِهِنّ بجِرَّةٍ ... من ذي الأبَاطِح إذ رَعَيْنَ حَقِيلا
وأفاض القوم في الحديث، إذا اندفعوا فيه، ومنه {إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: ٦١] " (١٣).
(١) تفسير الطبري (٣٧٦١): ص ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) أي: قرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج).
(٣) قراءة ابن عباس رواها البخاري-فتح-: ٤/ ٣٣٨ رقم: ٢٠٥٠، وهي أيضاً: قراءة ابن مسعود وابن الزبير، انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٢٦، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٩٤، تفسير عبد الرزاق: ١/ ٧٨ وفيه أبا الزبير بدل ابن الزبير، وأظنه تصحيفاً لأن ابن كثير في تفسيره: ١/ ٢٩٩، ذكرها عن عبد الرزاق بسنده وقال ابن الزبير. وانظر: القراءات وأثرها في التفسير والأحكام لمحمد بازمول: ٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧.
(٤) أي: في التفسير، قال ابن حجر في الفتح: ٣/ ٦٩٦ ( ... فهي على هذا من القراءة الشاذة وحكمها عند الأئمة حكم التفسير)، وقال أبو حيان عن هذه القراءة في البحر: ٢/ ٩٤ (والأولى جعل هذا تفسيراً، لأنه مخالف لسواد المصحف الذي أجمعت عليه الأمة).
(٥) انظر: الفتح: ٤/ ٣٤٠. والقراءة الشاذة لها حكم خبر الآحاد، فمتى صح سندها إلى الصحابي وجب العمل بها، ومتى ضعف لم يجز العمل بها.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٧) تفسير البقاعي: ٨/ ٣٧٧.
(٨) التفسير البسيط: ٤/ ٤٥.
(٩) معاني القرآن: ١/ ٢٧٢.
(١٠) البحر المحيط: ٢/ ٩٥.
(١١) البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد يصف الحمُرُ، ضمن قصيدة من "المفضليات" ص ١٢٦، "ديوان الهذليين" ١/ ٦ والبيت في "اللسان" مادة: ريب، وصدع. والرِّبابة: بكسر الراء: الرقعة تجمع فيها قداح الميسر، واليَسَر. صاحب الميسر، شبه الأُتُن بالقداح لتجمعهن وتراكمهن، وشبه الحمار الوحشي بالضارب الذي يفرق القداح ويجمعها. وينظر: "شرح أشعار الهذليين" للسكري ١/ ١٨.
(١٢) البيت للراعي النميري من لاميته المطولة التي كان يرمى من لم يحفظها من أولاده وحفدته بالعقوق في "ديوانه" ٥٢، وفي "جمهرة اللغة" لابن دريد ٢/ ١٧٩ وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧١٩ (فيض) والثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٥٤٧ ويروى: من ذي الأباطل، قال ياقوت في "معجم البلدان" ٢/ ٢٧٩: قال ثعلب: ذو الأبارق وحقيل موضع واحد، فأراد: من ذي الأبارق إذا رعينه، والكَظْم. إمساك الفم، فلما ابتل مافي بطونها أفضن بجرة. والمعنى: أنها إذا رعت حقيلًا أفاضت بذي الأبارق.
(١٣) التفسير البسيط: ٤/ ٤٥، وانظر: في مادة (فيض): "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧١٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٥٤٦، "المفردات" ص ٣٩٠، "عمدة الحفاظ" ٣/ ٣٠٨، قال الزجاج في "تفسيره" ١/ ٢٧٢: وكل ما في اللغة من باب الإفاضة، فليس يكون إلا من تفرقة أو كثرة.