، ولكن البر في تقوى ربكم باجتناب ما نهاكم عنه في سفركم لحجكم وفعل ما أمركم به، فإنه خير التزود، فمنه تزودوا" (١).
وثمة وجه آخر: "وهو أن قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا} أمر باتخاذ الزاد، هو طعام السفر، وقوله: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} إرشاد إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها بعد الأمر بالزاد للسفر في الدنيا، كما قال تعالى: {وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: ٢٦]، لما ذكر اللباس الحسي منه مرشداً إلى اللباس المعنوي وهو الخشوع والطاعة، وذكر أنه خير من هذا وأنفع" (٢).
قال صاحب الكشاف: "أى اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإنّ خير الزاد اتقاؤها" (٣).
قال الراغب: "حث على تقوى الله واقتناء الأعمال الصالحة، والإعراض عن الدنيا سوى ما يتوصل به إلي الآخرة" (٤).
وبذلك فإنه يحتمل قوله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: ١٩٧]، ثلاثة تأويلات (٥):
أحدها: تزوّدوا بالأعمال الصالحة، فإن خير الزاد التقوى.
والثاني: أنها نزلت في قوم من أهل اليمن، كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فنزلت فيهم {وَتَزَوَّدُوا}، يعني من الطعام.
والثالث: أن المعنى: اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين. قاله شيخنا ابن عثيمين (٦).
قوله تعالى: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: ١٩٧]، أي: و"اتقوا عقابي وعذابي في مخالفتي وعصياني يا ذوي العقول والأفهام" (٧).
قال الصابوني: " أي خافون واتقوا عقابي يا ذوي العقول والأفهام" (٨).
قال صاحب الكشاف: أي " وخافوا عقابي يا أُولِي الْأَلْبابِ يعنى أن قضية اللب تقوى اللَّه، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له" (٩).
قال الطبري: " وخص جل ذكره بالخطاب بذلك أولي الألباب، لأنهم هم أهل التمييز بين الحق والباطل، وأهل الفكر الصحيح والمعرفة بحقائق الأشياء التي بالعقول تدرك وبالألباب تفهم، ولم يجعل لغيرهم من أهل الجهل في الخطاب بذلك حظا، إذ كانوا أشباحا كالأنعام، وصورا كالبهائم، بل هم منها أضل سبيلا" (١٠).
قال أبو حيان: " ثم قال {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الالْبَابِ} تحريكاً لامتثال الأمر بالتقوى، لأنه لا يحذر العواقب، إلاّ مَن كان ذا لبٍّ، فهو الذي تقوم عليه حجة الله، وهو القابل للأمر والنهي، وإذا كان ذو اللب لا يتقي الله، فكأنه لا لب له .. الظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف، فيكون عاماً، لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب، فيكون خاصاً، لأن المأمور باتقاء الله هم جميع المكلفين" (١١).
(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٦١.
(٢) انظر: محاسن التأويل: ٢/ ٦٣.
(٣) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٤.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٨.
(٥) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٦٠.
(٦) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.
(٧) محاسن التأويل: ٢/ ٦٣.
(٨) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٩) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٤.
(١٠) تفسير الطبري: ٤/ ١٦١.
(١١) البحر المحيط: ٢/ ٩٣.