للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال الراغب: " لما أمر بالتقوى، أمر أن يكون هو تعالى المقصود بها، وقيل: تقواه حفظ النفس إن نالها عقابه أو يتخطاها ثوابه، وذلك منعها متابعة الهوى، وحملها على طريق الهدى، وذلك على ثلاثة منازل:

الأول: ترك الكفر والكبائر.

والثاني: ترك المحارم وأداء الفرائض اللذين يقتضيهما إلتزام الشرائع،

والثالث: حفظ القلوب عن التلفت إلى الذنوب، وهو المغنى، بقول من قال: " التقوى هي التبرؤ من كل شك سوى الله تعالي، ولا يحصل الثالث إلا بحصول الثاني، ولا الثاني إلا بحصول الأول "، وعنى هاهنا الغاية، ولهذا خص أولوا الألباب بالخطاب، فاللب أشرف أوصاف العقل، وهو اسم الجزء الذي بإضافته إلى سائر أجزاء الإنسان، كلب الشيء إلى القشور، وباعتبار اللب، قيل لضعيف العقلي " يراعة "، " وقصبة "، و " منخوب " و " خاوي الصدر "، وقال- عز وجل- {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ}، وقال تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} " (١).

و(الالباب): " جمع لب؛ أي يا أصحاب العقول؛ ووجه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها" (٢).

واختلفت القراءة في قوله تعالى: {واتَّقُونِ} [البقرة: ١٩٧]، على وجهين (٣):

أحدهما: : {واتَّقُونِي}، بإثبات الياء على الأصل، في الوصل، وبغير ياء في الوقف، وهي قراءة أبو عمرو، ورواية ابن جماز وإسماعيل عن نافع.

والثاني: : {واتَّقُونِ}، بحذف (الياء)، في الوصل والوقف، للتخفيف ودلالة الكسرة عليه، إذ قرأ بها عاصم وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي، ورواية المسيبي وقالون وغيرهما عن نافع.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: تعظيم شأن الحج، حيث جعل الله له أشهراً مع أنه أيام - ستة أيام -؛ وقد جعل الله له أشهراً ثلاثة حتى يأمن الناس، ويتأهبوا لهذا الحج؛ ولهذا ما بعد الحج أقصر مما قبله؛ الذي قبله: شهران وسبعة أيام؛ والذي بعده: سبعة عشر يوماً فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه؛ فطُلب منه العودة؛ بخلاف ما إذا كان قبله.

٢ - ومن فوائد الآية: أن أشهر الحج ثلاثة؛ لقوله تعالى: {أشهر}؛ وهي جمع قلة؛ والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر؛ هذا المعروف في اللغة العربية؛ ولا يطلق الجمع على اثنين، أو اثنين وبعض الثالث إلا بقرينة؛ وهنا لا قرينة تدل على ذلك؛ لأنهم إن جعلوا أعمال الحج في الشهرين وعشرة الأيام يرد عليه أن الحج لا يبدأ فعلاً إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وينتهي في الثالث عشر؛ وليس العاشر؛ فلذلك كان القول الراجح أنه ثلاثة أشهر كاملة؛ وهو مذهب مالك؛ وهو الصحيح؛ لأنه موافق للجمع؛ وفائدته أنه لا يجوز تأخير أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة إلا لعذر؛ لو أخرت طواف الإفاضة مثلاً إلى شهر المحرم قلنا: هذا لا يجوز؛ لأنه ليس في أشهر الحج والله تعالى يقول: {الحج أشهر}؛ فلا بد أن يقع في أشهر الحج؛ ولو أخرت الحلق إلى المحرم فهذا لا يجوز؛ لأنه تعدى أشهر الحج.

وهل هذه الأشهر من الأشهر الحرم؟


(١) تفسير الراغب: ١/ ٤١٩.
(٢) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.
(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>