للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والصواب في تفسير قوله تعالى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}، أنه "قد بطل الجدال في الحج ووقته، واستقام أمره ووقته على وقت واحد، ومناسك متفقة غير مختلفة، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أن وقت الحج أشهر معلومات، ثم نفى عن وقته الاختلاف الذي كانت الجاهلية في شركها تختلف فيه" (١).

قال الزمخشري: "وإنما أمر باجتناب ذلك المنفيات، وهو واجب الاجتناب في كل حال، لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن. والمراد بالنفي وجوب انتفائها، وأنها حقيقة بأن لا تكون" (٢).

وفي قوله تعالى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧]، قراءتان (٣):

إحداهما: {فَلَا رفث وَلَا فسوق}، بِالضَّمِّ فيهمَا والتنوين. قرا بها ابن كثير وأبو عمرو.

قال الزمخشري: " لأنهما حملا الأوّلين على معنى النهى، كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج وذلك أنّ قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة وكانوا يقدّمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرّد إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللَّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج" (٤).

والثانية: {فَلَا رفث وَلَا فسوق}، بالنصب بغير تنوين. وهي قراءة الباقون.

وأما {جدالَ} فإنها بالبناء على الفتح على القراءتين (٥).

قوله تعالى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: ١٩٦]، "أي وما تقدموا لأنفسكم من خير يجازيكم عليه الله خير الجزاء" (٦).

قال ابن عثيمين: "أي يحيط به علماً" (٧).

قال البغوي: أي: " أي لا يخفى عليه فيجازيكم به" (٨).

قال الطبري: أي" فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاء مرضاتي وطلب ثوابي، فأنا به عالم، ولجميعه محص، حتى أوفيكم أجره، وأجازيكم عليه، فإني لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني ما أردتم بأعمالكم، لأني مطلع على سرائركم، وعالم بضمائر نفوسكم" (٩).

قال ابن كثير: " لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعْلا حَثَّهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفرَ الجزاء يوم القيامة" (١٠).


(١) تفسير الطبري ٤/ ١٤٩.
(٢) تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٣.
(٣) انظر: السبعة في القراءات: ١٨٠.
(٤) انظر: تفسير الكشاف: ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤.
(٥) انظر: السبعة في القراءات: ١٨٠.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٦.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٤١٥.
(٨) تفسير البغوي: ١/ ٢٢٧.
(٩) تفسير الطبري: ٤/ ١٥٦.
(١٠) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>