للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والثالث: أنهم أهل الحَرَمِ ومَنْ قرُب منزله منه، كأهل عرفة، والرجيع، وهو قول الزهري (١)، وعطاء (٢)، وابن زيد (٣).

والرابع: أنهم مَن كان على مسافة لا يقصر في مثلها الصلاة، وهو قول الشافعي في الجديد (٤)، ووافقه أحمد (٥).

والظاهر، هو القول الأول، أي: أنهم أهل الحرم دون غيرهم (٦)، لأن الله-عز وجل-قال: {حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} والمسجد الحرام هنا: الحرم؛ إذ يبعد أن يكون مراداً به الكعبة أو المسجد إذ لا سكنى لأهل أحد فيه، وإلحاق غيره في حكمه بعيد، وقصره على بعضه أبعد. والله أعلم.

واختلف في تفسير الإشارة في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٦]، على قولين:

أحدهما:

أحدهما: أن (ذَلِك) في الآية إشارة إلى التمتع المفهوم من قوله سبحانه-: {فَمَن تَمَتَّعَ}، وبالتالي فلا متعة ولا قران على حاضري المسجد الحرام (٧).

والثاني: أن (ذَلِكَ) في الآية إشارة إلى لزوم الهدي أو بدله على المتمتع واللذان يجبان على غير حاضري المسجد الحرام، وهو قول مالك والشافعي والجمهور، ويدل له عود الإشارة على أقرب مذكور في الآية (الهدي أو بدله) واللام في (لِمَنْ) على هذا القول بمعنى على (٨).

وفي (اللام) في قوله تعالى: {لِمَنْ} [البقرة: ١٩٦]، قولان:

أحدهما: أن معناها: (على). قاله الفراء (٩).

أي: "ذلك الفرض الذي هو الدمُ أو الصومُ على من لم يكن من أهل مكة، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي لهم الولاء" (١٠). أي: عليهم" (١١).


(١) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٤): ص ٤/ ١١٢.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٢)، و (٣٥١٣)، و (٣٥١٦): ص ٤/ ١١٢.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣٥١٧): ص ٤/ ١١٢.
(٤) الحاوي الكبير للماوردي: ٤/ ٥٠ - ٥١، روضة الطالبين للنووي: ٣/ ٤٦، المهذب للشيرازي: ١/ ٢٠١، نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ٣٢٦.
(٥) الفروع لابن مفلح: ٣/ ٣١٢، الإنصاف للمرداوي: ٣/ ٤٤٠، المغني لابن قدامة: ٥/ ٣٥٦، الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة: ١/ ٢٧٩.
(٦) انظر: كلام ابن حزم المتين في ذلك في المحلى: ٥/ ١٤٧ - ١٤٩، على أن الطبري في جامع البيان: ٤/ ١١٠ قد حكى الإجماع على دخول أهل الحرم في المراد بحاضري المسجد الحرام، ونقله عنه ابن كثير في تفسيره: ١/ ٣٩٢، وقد تعقب حكاية الطبري لذلك الإجماع ابن عطية في المحرر الوجيز: ٢/ ١١٩ قال: (وليس كما قال)، وذكر التعقب القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٢/ ٤٠٤، وتعقب ابن عطية صحيح فقد وقع في دخول بعض أجزاء الحرم غير المتصلة بمكة (القرية) في ذلك الزمن خلاف قال ابن القاسم في المدونة: ١/ ٤٠٦ عن مالك: ( ... وإنما الذين لا يكون عليهم هدي إن قرنوا أو تمتعوا أهل مكة نفسها وأهل ذي طوى قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة، وإنما أهل مكة الذين لا متعة عليهم ولا دم قران إن قرنوا أهل مكة القرية نفسها وأهل ذي طوى، قال: فأما أهل منى فليسوا بمنزلة أهل مكة)، ومنى من الحرم كما لا يخفى، وانظر في حكاية ذلك عن مالك: مفاتيح الغيب للرازي: ٥/ ١٧١ - ١٧٢، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٨١.
(٧) وهو قول أبي حنيفة، واختاره من المفسرين الطبري في جامع البيان: ٤/ ١٠٩ - ١١٠ ونسبه للربيع والسدي، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ٨٠ - ٨١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٠٧، والألوسي في روح المعاني: ٢/ ٨٤ ويدل له أنه أتى باللام في قوله (لِمَن) دون على.
(٨) واختار هذا القول من المفسرين الرازي في مفاتيح الغيب: ٥/ ١٧١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٢٤، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١٠٨، وابن عاشور في التحرير والتنوير: ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠. ولكلا القولين حظ من النظر، وانظر أيضاً: الكشاف للزمخشري: ١/ ٣٤٥، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١١٨، زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠٨، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٩٣، فتح البيان لصديق خان: ١/ ٤٠٠.
(٩) انظر: معاني القرآن: ٤/ ٢٦.
(١٠) أخرجه البخاري (٢١٦٨) كتاب البيوع، باب: إذا اشترط شروطا في البيع لا تحل، ومسلم (١٥٠٤) كتاب العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(١١) التفسير البسيط: ٤/ ٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>