للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: "كنا بالقسطنطينية، فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ثم رجع مقبلاً فصاح الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا بيننا سراً: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله هذه الآية، فكانت التهلكة الإِقامة التي أردناها" (١) " (٢).

والثاني: أي لا تخرجوا بغير زاد، فتهلكوا بالضعف، وهذا قول زيد ابن أسلم (٣).

والثالث: أي تيأسوا من المغفرة عند ارتكاب المعاصي، فلا تتوبوا، وهذا قول البراء بن عازب (٤)، وعبيدة السلماني (٥)، وروي عن النعمان بن بشير (٦) (٧) نحوه.

والرابع: أن تتركوا الجهاد في سبيل الله، فتهلكوا، وهذا قول أبي أيوب الأنصاري (٨).

والخامس: أنها التقحم في القتال من غير نكاية في العدو، وهذا قول أبي القاسم البلخي (٩).

والسادس: أنه عام محمول على جميع ذلك كله، وهو قول أبي جعفر الطبري (١٠).

والقول الأول أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة فهو المعتمد في نزولها، وأما قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ (١١)، والاحسن أن يقال أن قوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ}، عام في كل ماذكر، " لدخوله فيه، إذ اللفظ يحتمله" (١٢). والله تعالى أعلم.

وقد ذكر الراغب الأصفهاني في الآية تأويلان بنظرين (١٣):

أحدهما: إنه نهي عن الإسراف في الإنفاق، وعن التهور في الإقدام.

والثاني: إنه نهي عن البخل بالمال، وعن القعود عن الجهاد. وكلا المعنيين يراد بها. قال الراغب: "فالإِنْسَان، كما أنه منهي عن الإسراف في الإنفاق، والتهور في الإقدام، فهو منهي عن البخل والإحجام


(١) وصححه-إضافة إلى الترمذي والحاكم وابن حبان-الألباني في صحيح الترمذي: ٣/ ٥ رقم: ٢٣٧٣، والأرناووط في تخريجه لابن حبان: ١١/ ١٠ - ١١ رقم: ٤٧١١، وغيرهما.
(٢) الفتح: ٨/ ٣٣٨.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٦٦): ص ٣/ ٥٨٧، وتتفسير ابن ابي حاتم (١٧٤٥): ص ١/ ٣٣١، وانظر: معالم التنزيل للبغوي: ١/ ١٦٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ٣٦٢، الدر المنثور للسيوطي: ١/ ٣٧٤.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٦٧)، و (٣١٦٨)، و (٣١٦٩)، و ٣١٧٠)، و (٣١٧١)، و (٣١٧٢): ص ٣/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٧٣)، و (٣١٧٤)، و (٣١٧٥)، و (٣١٧٦)، و (٣١٧٧)، و (٣١٧٨): ص ٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨.
(٦) هو: أبو عبد الله النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صحابي ابن صحابيين، سكن الشام وولي إمرة الكوفة ثم حمص، وبها قتل عام: ٦٥ هـ. انظر: الاستيعاب لابن عبد البر: ٤/ ٦٠، أسد الغابة لابن الأثير: ٥/ ٣١٠، الإصابة لابن حجر: ٣/ ٢٩٥.
(٧) رواه الواحدي في أسباب النزول-تحقيق الحميدان-: ٥٧، والطبراني في الأوسط: ٦/ ٣١٤ رقم: ٥٦٦٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٦/ ٣١٧ (رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح)، وصححه السيوطي في لباب النقول: ٣٧، وعزاه في الدر المنثور: ١/ ٣٧٥ أيضاً لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٧٩)، و (٣١٨٠): ص ٣/ ٥٩٠ - ٥٩١.
(٩) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٤.
(١٠) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٩١ - ٥٩٤.
(١١) انظر: الفتح: ٨/ ٣٣٨. فالآية على ذلك تحتمل جميع المعاني المقبولة، انظر: جامع البيان للطبري: ٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ٧٠، المفردات للراغب: ٥٤٥، فتح القدير للشوكاني: ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧، فتح البيان في مقاصد القرآن لصديق خان: ١/ ٣٩٢، محاسن التأويل للقاسمي: ٣/ ١٤١، روح المعاني للألوسي: ٢/ ٧٨، التحرير والتنوير لابن عاشور: ٢/ ٢١٤ - ٢١٥.
(١٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٣، وانظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٩٣.
(١٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤١٠ - ٤١١.

<<  <  ج: ص:  >  >>