للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٢ - ومنها: أنه إذا زالت الفتنة، وقيام أهلها ضد الدعوة الإسلامية - وذلك ببذل الجزية - فإنهم لا يقاتلون.

٣ - ومنها: أنهم إذا انتهوا - إما عن الشرك: بالإسلام؛ وإما عن الفتنة: بالاستسلام - فإنه لا يعتدى عليهم؛ لقوله تعالى: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}.

٤ - ومنها: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله تعالى: {فلا عدوان إلا على الظالمين}؛ وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة بالفعل - يعني: أن تسمية المجازاة اعتداءً من باب المشاكلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.

القرآن

{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)} [البقرة: ١٩٤]

التفسير:

قتالكم -أيها المؤمنون- للمشركين في الشهر الذي حرَّم الله القتال فيه هو جزاء لقتالهم لكم في الشهر الحرام. والذي يعتدي على ما حَرَّم الله من المكان والزمان، يعاقب بمثل فعله، ومن جنس عمله. فمن اعتدى عليكم بالقتال أو غيره فأنزلوا به عقوبة مماثلة لجنايته، ولا حرج عليكم في ذلك؛ لأنهم هم البادئون بالعدوان، وخافوا الله فلا تتجاوزوا المماثلة في العقوبة، واعلموا أن الله مع الذين يتقونه ويطيعونه بأداء فرائضه وتجنب محارمه.

في سبب نزول الآية قولان:

أحدهما: قال قتادة: " أقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فاعتمروا في ذي القَعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون، فصالحهم نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك، حتى يرجع من العام المقبل فيكون بمكة ثلاثة أيام ولا يدخلها إلا بسلاح راكب ويخرج، ولا يخرج بأحد من أهل مكة، فنحروا الهدْي بالحديبية، وحلَّقوا وَقصَّروا. حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبيُّ الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، فاعتمروا في ذي القَعدة، فأقاموا بها ثلاث ليال، فكان المشركون قد فخروا عليه حين ردُّوه يوم الحديبية، فأقصَّه الله منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدة، فقال الله: {الشهرُ الحرامُ بالشهر الحرام والحُرمات قصَاص} " (١). وروي عن ابن عباس (٢)، ومجاهد، ومقسم (٣)، والسدي (٤)، والربيع (٥)، والضحاك (٦)، وأبي العالية (٧)، وعطاء (٨)، نحو ذلك (٩).

وقد ذكر ابن حجر أن عمرة القضاء سميت بذلك من قاضاه إذا عاوضه لا من قاضاه إذا عاهده، فقال: "ويرجح الثاني تسميتها قصاصا، قال الله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: ١٩٤] قال السهيلي (١٠): تسميتها عمرة القصاص أولى؛ لأن هذه الآية نزلت فيها، قلت: كذا رواه ابن


(١) أخرجه الطبري (٣١٣٣): ص ٣/ ٥٧٦، وانظر: أسباب النول للواحدي: ٥٥ - ٥٦.
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٨): ص ٣/ ٥٧٨.
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٤): ص ٣/ ٥٧٧.
(٤) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٥): ص ٣/ ٥٧٧.
(٥) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٧): ص ٣/ ٥٧٧ - ٥٧٨.
(٦) انظر: تفسير الطبري (٣١٣٦): ص ٣/ ٥٧٧.
(٧) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣٨): ص ١/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٤١): ص ٣/ ٥٧٩.
(٩) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٥ وما بعدها.
(١٠) الروض الأنف: ٧/ ٢٥، ونقله عنه ابن كثير في البداية والنهاية: ٤/ ٢٢٦، وانظر: السيرة النبوية في فتح الباري للشنقيطي: ٣/ ٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>