للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أحدهما: إن معناه فلا سبيل، كما في قوله تعالى في قصة موسى: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص: ٢٨]، أي لا سبيل عليّ.

الثاني: وقيل: {فَلَا عُدْوَانَ} أي لا مقاتلة؛ وفيه قولان:

الأول: أنها من باب مقابلة الشيء بمثله لفظ، ؛ لأنه سببه، ومنه قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: ١٩٤]، وليس معناه: أن فعلكم هذا عدوان؛ لكن لما صار سببه العدوان صح أن يعبر عنه بلفظه.

قال البيضاوي: " وسمي جزاء الظلم باسمه " (١).

الثاني: أن المعنى: "أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم" (٢).

قال القرطبي: "وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان" (٣).

قال الواحدي: " فسمي الذي عليهم عدوانا، كقوله: عدوانا، كقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠]، وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قتل ونهب واسترقاق" (٤)

واختلف العلماء في قوله تعالى: {الظَّالِمِينَ} [البقرة: ١٩٣] على وجهين (٥):

أحدهما: أن {الظلم} في الآية يعني (الكفر).

قال قتادة: "الظالم: الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله" (٦). وروي عن عكرمة (٧)، والربيع (٨)، وأبي العالية (٩) مثل ذلك.

الثاني: أن معنى قوله: " {فلا عدوان إلا على الظالمين}، أي: فلا تقاتل إلا من قاتل. قاله مجاهد (١٠)، وروي عن عن السدي (١١)، نحو ذلك.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: أن الأمر بقتالهم مقيد بغايتين؛ غاية عدمية: {حتى لا تكون فتنة} أي حتى لا توجد فتنة؛ و «الفتنة» هي الشرك، والصد عن سبيل الله؛ والغاية الثانية إيجابية: {ويكون الدين لله} بمعنى: أن يكون الدين غالباً ظاهراً لا يعلو إلا الإسلام فقط؛ وما دونه فهو دين معلو عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون (١٢).


(١) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.
(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٨.
(٣) تفسير القرطبي: ٢/ ٣٥٤.
(٤) التفسير البسيط: ٣/ ٦٢٧.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤.
(٦) أخرجه الطبري (٣١٢٤): ص ٣/ ٥٧٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٥٢٦.
(٧) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٦): ص ٣/ ٥٧٣ - ٥٧٤.
(٨) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٥): ص ٣/ ٥٧٣.
(٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٧٣٨): ص ١/ ٣٢٨.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٧)، و (٣١٢٨): ص ٣/ ٥٧٤.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٣١٢٩): ص ٣/ ٥٧٤.
(١٢) قال البخاري: " قوله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ [وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ]} الآية: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عُبَيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. قالا ألم يقل الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ}؟ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله. زاد عثمان ابن صالح عن ابن وهب قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو المعافري أن بُكَير بن عبد الله حدثه، عن نافع: أن رجلا أتى ابن عمر فقال [له] يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بُني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: ٩]، {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قال: فعلنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار بيده فقال: هذا بيته حيث ترون. صحيح البخاري برقم". (٤٥١٣ - ٤٥١٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>