وإن قيل: قوله تعالى: {الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى}: {الْبِرَّ} اسم معنى؛ و {مَنِ اتَّقَى} اسم جثة؛ كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟
فالجواب أنه يخرج على واحد من أوجه ثلاثة (١):
الوجه الأول: أن يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ولكن البار.
الوجه الثاني: أن يكون المصدر على تقدير محذوف؛ أي: ولكن البر بر من اتقى.
الوجه الثالث: أن هذا على سبيل المبالغة أن يجعل {مَنِ اتَّقَى} نفس البر، كما يصفون المصدر فيقولون: فلان عدل، ورضا.
قوله تعالى: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: ١٨٩]، أي: "أدخلوها كعادة الناس من الأبواب" (٢).
قال الزجاج: " فأمرهم اللَّه بترك سنة الجاهلية في هذه
الحماسة" (٣).
قال الراغب: " أي تحروا في كل عمل إتيان الشيء من وجهه تنبيها أن ما يطلب من غير وجهه صعب مناله" (٤).
قال البيضاوي: " إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها" (٥).
قال الطبري: " فأتوها [أي البيوت] من حيثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها في حال من الأحوال، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم" (٦).
قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: ١٨٩] أي "اتقوا الله لتسعدوا وتظفروا برضاه" (٧).
قال البيضاوي: أي: " في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله، لكي تظفروا بالهدى والبر" (٨).
قال ابن عثيمين: " أي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، لأجل أن تنالوا الفلاح" (٩).
قال الطبري: أي: "واتقوا الله أيها الناس، فاحذروه وارهبوه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاءَ في جَنَّاته والخلودَ في نعيمه" (١٠).
قال الإمام الشوكاني: "أي: تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب وهم المفلحون" (١١).
روي عن محمد بن كعب القرظي انه كان يقول في هذه الآية: " {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يقول: لعلكم تفلحون غدا إذا لقيتموني" (١٢).
و(الفلاح): "هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب" (١٣).
(١) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.
(٣) معاني القرآن: ١/ ٢٦٣.
(٤) تفسير الراغب: ١/ ٤٠٢.
(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.
(٦) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.
(٨) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.
(٩) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.
(١٠) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.
(١١) فتح القدير: ١/ ٤١٦.
(١٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٧١٨): ص ١/ ٣٢٥.
(١٣) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧١.