قلت: ظاهر الأخبار الواردة عن الصحابة الكرام أنهم سألوا عن أحوال شكل الهلال ولكن هذا لايمنع أن يكون المراد من سؤالهم معرفة الحكمة في ذلك. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: ١٨٩]، أي: "وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت في حال إحرامكم من ظهورها" (١).
قال الصابوني: " أي ليس البر بدخولكم المنازل من ظهورها كما كنتم تفعلون في الجاهلية" (٢).
عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوْا البيت من ظهره، فأنزل الله {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} " (٣).
و{البر}: "هو الخير الكثير؛ وسمي الخير براً لما فيه من السعة؛ ومنه في الاشتقاق {الْبِرُّ} - الذي هو الخلاء: وهو ما سوى البنيان - لسعته" (٤).
واختلفت القراءة في قوله تعالى: {الْبُيُوتَ} [البقرة: ١٨٩]، على وجهين (٥):
أحدهما: : {الْبُيُوتَ}، بضم الباء. قرأ بها أبو عمرو.
والثاني: : {الْبُيُوتَ}، بكسر الباء. قرأ بها ابن كثير وابن عامر والكسائيّ.
واختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: {الْبُيُوتَ} بكسر الباء، وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ الباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها، واختلف عن عاصم أيضا (٦).
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [البقرة: ١٨٩]؛ أي: " ولكن العمل الصالح الذي يقربكم من الله في اجتناب محارم الله" (٧).
قال الزجاج: " أعلمهم أن البر التقي، والمعنى: ولكن البر برُّ من اتقى مخالفةَ أمر اللَّه عزَّ وجلَّ" (٨).
قال البيضاوي: أي" وإنما البر: بر من اتقى المحارم والشهوات" (٩)
قال ابن عثيمين: " لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به اتقاء الله عز وجل؛ البر هو التقوى؛ هذا هو حقيقة البر؛ لا أن تتقي دخول البيت من بابه" (١٠).
قال أبو عبيدة: أي: " اطلبوا البر من أهله ووجهه، ولا تطلبوه عند الجهلة المشركين" (١١).
وفي قوله تعالى: {وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى} [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (١٢):
إحداهما: {وَلكِنَ الْبِرُ مَنِ اتَّقى}، بتخفيف النون في {لكِن}، ورفع {البر}، قرأ بها نافع وابن عامر. على أن تكون {لكن} مخففة من الثقيلة مهملة؛ و {البرُّ} مبتدأ.
والثانية: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ}، بتشديد النون في {لكِنَّ}، ونصب {الْبِرَّ}، على أن {لكنّ} عاملة؛ و {الْبِرَّ} اسمها.
(١) تفسير الطبري: ٣/ ٥٦٠.
(٢) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٥١٢).
(٤) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٩.
(٥) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٨ - ١٧٩، والحجة للقراء السعبة: ٢/ ٢٨١.
(٦) انظر: الحجة للقراء السعبة: ٢/ ٢٨١.
(٧) صفوة التفاسير: ١/ ٣٤١.
(٨) معاني القرآن: ١/ ٢٦٣.
(٩) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.
(١٠) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٧٠.
(١١) مجاز القرآن: ١/ ٦٨.
(١٢) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.