قال البغوي: أي: "فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة" (١).
قال البيضاوي: " أمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها. وخصوصاً الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء" (٢).
قال الثعلبي: " أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة" (٣).
قال النيسابوري: " وهي المعالم التي يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن ومعالم للحج يعرف بها وقته" (٤).
و(المواقيت): "جمع ميقات، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان: أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها. والزمان: مدة مقسومة، والوقت: الزمان المفروض لأمر" (٥).
وفي قوله تعالى: {وَالْحَجَّ} [البقرة: ١٨٩]، قراءتان (٦):
إحداهما: {وَالْحَجَّ} بفتح الحاء، وهي قراءة الجمهور.
والثانية: {وَالْحَجِّ} بكسرها في جميع القرآن، قرأ بها ابن أبي إسحاق.
قال سيبويه: " {َالْحَجَّ} بالفتح، كالرد والشد، وبالكسر كالذكر، مصدران بمعنى، وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الإسم" (٧).
قال الإمام الشوكاني: " وإنما أفرد سبحانه {الْحَجِّ}، بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ}، من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سالوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه" (٨).
وردّ الشيخ ابن عثيمين على هذا الرأي قائلا: "وأما ما ذكره أهل البلاغة من أنهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن السبب في كون الهلال يبدو صغيراً، ثم يكبر؛ فأجاب الله سبحانه وتعالى ببيان الحكمة؛ وقالوا: إن هذا من أسلوب الحكيم أن يجاب السائل بغير ما يتوقع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يُسأل عن هذا؛ فالصواب أنهم لم يسألوا الرسول عن هذا؛ ولكن سألوه عن الحكمة من الأهلة، وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه؛ والدليل: الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب مطابق للسؤال إلا أن يثبت ذلك بنص صحيح" (٩).
(١) تفسير البغوي: ١/ ٢١١.
(٢) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.
(٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥.
(٤) انظر: تفسير النيسابوري: ٢/ ٢٧٤.
(٥) تفسير البيضاوي: ١/ ١٢٧.
(٦) انظر: السبعة في القراءات: ١٧٨.
(٧) انظر: تفسير الفتح القدير: ١/ ١٩٠.
(٨) تفسير الفتح القدير: ١/ ١٩٠.
(٩) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٣٦٨.