للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واستبعده ابن عطية قائلاً: " ... فبعيد مغير نمط الكلام (١).

السابع: وقال الماوردي أيضا: "أنه في النسيء وتأخير الحج به، حين كانوا يجعلون الشهر الحلال حراماً بتأخير الحج، والشهر الحرام حلالاً بتأخير الحج عنه، ويكون ذكر البيوت وإتيانها من ظهورها مثلاً لمخالفة الواجب في الحج وشهوره، والمخالفة إتيان الأمر من خلفه، والخلف والظهر في كلام العرب واحد، حكاه ابن بحر " (٢).

وفي ذلك بعد أيضاً، فإن لم يُحْمَل ما لا بعد فيه مما ورد في سبب نزول الآية على تعدد الأسباب فما في الصحيح أصح (٣) كما قال الحافظ ابن حجر (٤).

قال القرطبي: " اتصل هذا [أي دخول البيت من ظهورها] بذكر مواقيت الحج، لاتفاق وقوع القضيتين في وقت السؤال عن الأهلة وعن دخول البيوت من ظهورها، فنزلت الآية فيهما جميعا." (٥).

قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} [البقرة: ١٨٩]؛ " أي" يسألونك يا محمد عن الهلاك لم يبدو دقيقاً مثل الخيط ثم يعظم ويستدير ثم ينقص ويدق حتى يعود كما كان؟ " (٦).

و{الأهِلَّةِ} جمع هلال؛ وهو غُرّة القمر حين يراها الناس، يقال لها: هلال ليلتين، ثم يكون قمرًا بعد ذلك (٧).

وقال أبو الهيثم: يسمى القمر لليلتين من أول الشهر وليلتين من آخر الشهر: هلالًا، ويسمى ما بين ذلك: قمرًا (٨).

واختلف في سبب تسميته هلالا على أقوال (٩):

أحدها: أن "الإِهلال الصراخُ " (١٠)، إذ: "سمي به لرفع الناس أصواتهم عند رؤيته " (١١)؛ ومنه: الاستهلال؛ والإهلال هو رفع الصوت، كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" (١٢)، يعني بالتلبية؛ ومنه قولهم: (استهل المولود) إذا ظهرت حياته بصراخه.

والثاني: سمي بذلك "لأنه من البيان والظهورِ، أي: لظهورهِ وقتَ رؤيَتِهِ بعد خَفَائِهِ، ولذلك يُقال: تَهَلَّلَ وَجْهُهُ: ظَهَرَ فيه بِشْرٌ وسرورٌ وإنْ لم يَكُنْ رفَعَ صوتَه" (١٣)، ومنه قول تأبَّط شرّاً (١٤):


(١) المحرر الوجيز: ١/ ٢٦٢.
(٢) النكت والعيون: ١/ ٢٥٠.
(٣) وهو قول البراء بن عازب-رضي الله عنه-عند البخاري في صحيحه-فتح-: ٣/ ٧٢٧ رقم: ١٨٠٣ (نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها فجاء رجل من الأنصار فدخل من قِبِل بابه، فكأنه عُيِّر بذلك، فنزلت: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة: ١٨٩] وظاهر قول البراء هذا اختصاص ذلك بالأنصار، وقد أبان الحافظ في الفتح: ٣/ ٧٢٧ أن سائر العرب كانوا كذلك إلا قريشاً. وهناك أقوال أخرى في سبب نزول الآية ذكرها ابن حجر في العجاب-تحقيق الأنيس-: ١/ ٤٥٥ – ٤٦٥.
(٤) انظر: الفتح: ٣/ ٧٢٨.
(٥) تفسير القرطبي ٢/ ٣٤٤.
(٦) صفوة التفاسير: ١/ ١١٢.
(٧) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.
(٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.
(٩) انظر: تفسير القرطبي ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢، والدر المصون: ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥، وتفسير الثعلبي: ٢/ ٨٥، والتفسير البسيط: ٣/ ٦١٦.
(١٠) الدر المصون: ٢/ ٢٨٥.
(١١) تفسير النسفي: ١/ ١٠٧.
(١٢) سنن الترمذي (٨٢٩): ص ٣/ ١٥٣، وسنن أبي داود (١٨١٤): ص ٢/ ١٦٣.وأحمد (١٦١٢٢): ٤/ ٥٥.
(١٣) الدر المصون: ٢/ ٣٠٣.
(١٤) ديوان الهذليين: ٢/ ٩٤، والخزانة: ٨/ ١٩٤، قال البغدادي: "والعارض من السحاب: ما يعرض في جانب من السماء، يقول: نظرت في وجهه رأيت أسارير وجهه تشرق إشراق السحاب المتشقق بالبرق".

<<  <  ج: ص:  >  >>