وأما سبب نزول قوله تعالى:{وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}[البقرة: ١٨٩]، ففيه وجوه:
أحدهما: أخرج الواحدي والطبري، وغيرهما عن البراء بن عازب أنه قال:"كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل باب، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية"(١).
والثاني: أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء قال: " كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا البيوت من ظهورها ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى:{وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} "(٢).
والثالث: أخرج الواحدي عن جابر قال: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر وإنه خرج معك من الباب فقال له: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت. فقال: "إني أحمسي" قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله:{وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} "(٣). وأخرج الطبري عن الزهري (٤) مثل ذلك.
والرابع: وقال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك دينا إلا أن يكون من الحمس، وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية سموا حمسا لشدتهم في دينهم، قالوا: فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار على أثره من الباب وهو محرم، فأنكروا عليه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ " فقال: رأيتك دخلت من الباب فدخلت على أثرك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إني أحمسي" قال الرجل: إن كنت أحمسيا فإني أحمسي، ديننا واحد رضيت بهديك وسمتك ودينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية" (٥). وأخرج الطبري عن الزهري مثله (٦).
قال ابن حجر معلقا على كلام الواحدي: " وهذا جمعه من آثار مفرقة ولم أجده عن واحد معين" (٧).
والسادس: قال الماوردي ما حاصله أنه قيل: إنها نزلت في من كان يأتي النساء في غير قبلهن، وكنى عن النساء بالبيوت للإِيواء إليهن، وعن الوطء في غير القبل بالإتيان من جهة الظهر، ونسبه لابن زيد (٨).
(١) أسباب النزول: ٥٤، وأخرجه البخاري (فتح الباري: ٣/ ٦٢١ - ح: ١٨٠٣) ومسلم (٤/ ٢٣١٩ - ح: ٣٠٢٦) والطيالسي (منحة المعبود: ٢/ ١٢ - ح: ١٩٢٧)، والطبري (٣٠٧٥): ص ٣/ ٥٥٨. (٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٧١٤): ص ١/ ٣٢٤. اسناده ضعيف. (٣) أسباب النزول: ٥٣، وأخرجه الحاكم (لباب النقول: ٣٦) وابن خزيمة (فتح الباري: ٣/ ٦٢١) من طريق الأعمش به. وسنده صحيح على شرط مسلم (فتح الباري: ٣/ ٦٢١). (٤) انظر: تفيبر الطبري (٣٠٨٢): ص ٣/ ٥٥٨. (٥) أسباب النزول: ٥٥. (٦) انظر: تفسير الطبري (٣٠٨٢): ص ٣/ ٥٥٨. (٧) العجاب: ١/ ٤٥٨. (٨) انظر: النكت والعيون: ١/ ٢٥٠.